فالأمة تحتاج إلى فعّالين أكثر مما تحتاج إلى قوالين. وإلى فصيح السنان لا إلى فصيح اللسان. لأن كلام الألكن في العمل نقمة، وسكوته نعمة، حتى وإن سحرت بلاغته الأسماع، وإشراق ديباجته الأنظار. فقد تشبعنا من عبارات الغرور: (أنا، وإنا، ونحن، وعندنا، والذي نراه، ونحن نعتقد، وهذا عندنا جائز، وهذا عندنا غير جائز) ، فأصبحنا وسرنا أمام سلفنا الراحل: (مجمع اللؤم والخسة والسفاسف والصفات الذميمة، والأفعال المرذولة، وتطاولنا عن علمائنا الكبار. مع التنطع والتقعر الزائديْن، و(إن الله عز وجل يُبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه، كما تخلل الباقرة [1] بلسانها) [2] ، وورد بلفظ: (سيكون قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقرة من الأرض) [3] .
ومع هذا كله؛ فلا بلاغة بليغة، ولا فصاحة واضحة، ولا بيان بيّن، ولا برهان صحيح، ولا جزالة ألفاظ، ولا رائحة إنشاء. وسنتقي ?إن شاء الله? مأثور القول البذيء والجارح بعد اليوم، مرة أخرى عذرًا شيوخنا ومغفرة، وعفوًا من زلة القلم، ومن بعض عقاربه المسمومة. قلقل الله أنيابه. وما أردنا من ذلك إلا نصرة الإسلام، ولكن أخطأنا بابه، لأن السباب والحمية للإسلام ?في الغالب? ساكنان لا يلتقيان، ولا أحب أن أُلاَمَ وأحاسب على الفعل الماضي، نعم على الحال والاستقبال فأهلا وسهلا.
ولا زال أهل العلم يتراجعون إلى ما هو أفضل، وللإمام الشافعي مذهبان، وللأشعري ثلاث حالات، ولابن معين وابن حنبل رأيان بل سبعة أقوال في بعض المسائل، وهكذا ... ولا أظنني بهذا الاعتراف أمكنت الرامي من صفاء الثغرة، وليس بيننا وبين الحق حجاب. ورحم الله امرأً أهدى لنا عيوبنا، (ومن حذرك كمن بشرك) .
فهذا - عزيزي القارئ - جهد المقل أضعه بين يديك من وراء القضبان، من داخل زنزانتي الانفرادية، ومع الحراسة المشددة والمستمرة، فلك غنمه، وعلي غُرمه، وأنت الظافر، وأنا العاثر، فإن وُفِّقت فذلك فضل الله وإحسانه إلي، لا بحولي وقوتي: ?قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا? [4] ، وإن كانت الأخرى؛ فأسأله سبحانه أن يتجاوز عني ويستر عيبي وذنبي.
وقد اشتملت هذه المقدمة على مباحث خمسة، والله من وراء القصد.
(1) - والباقرة: هي البقرة بلغة أهل اليمن.
(2) - (انظر ما قيل فيه في المسند 11/ 10/102/ رقم 6543/-مؤسسة الرسالة) .
(3) - وهو حسن ولا يلتفت إلى من ضعفه (المسند 1/ 103/ و3/ 154/ رقم1517/ 159) .
(4) - سورة يونس: آية58.