17 - (مناهل العرفان) تأليف محمد بن عبد العظيم الزرقاني. دار إحياء الكتب العربية، مصر، وفي هذا أخطاء عقدية كثيرة، وقد علمت أن بعض العلماء قام بتحقيقه، والرد على ما جاء فيه من المخالفات، لكن للأسف النسخة التي عندي تحتاج إلى خدمة. وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال في (الرد على البكري) ص17: (إن عامة الكتب تحتاج إلى نقد وتمييز) . و (النقد) عبارة قصيرة لكنها تحتاج إلى خبرة طويلة، وقراءة كبيرة، واطلاع واسع، وتجربة عميقة، لأن (النقد) خلاصة وعصارة تجارب مرت بالناقد. وهذا يحتاج إلى مراجعة متنوعة. ولا يخفى على القارئ الكريم ما يعاني السجين من أزمات ومحن لفقدان مكتبته العامرة. ولست أبكي على حبسي وتعذيبي جسديا ونفسيا، وإنما أبكي على مكتبتي. لأن السجن هو المكان الطبيعي للرجل الحر في الأمة المستعبدة، والأمر عندي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقال: ما يصنع أعدائي بي؟. أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني. أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة) .
وكان في حبسه يقول: (لو بذلت مثل هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة) ، أو قال: (ما جازيتهم على ما ساقوا إلي من الخير) . والمحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه [1] . انظر (الذيل على طبقات الحنابلة) (2/ 405) لتعلم كم بقي الشيخ في سجن القلعة. وانظر ما هَذَى به ابن بطوطة في حق شيخ الإسلام في (رحلته ص 112/ 113) مع الجواب عن تلك الفرية من كلام شيخ الإسلام نفسه [2] وكلام أهل العلم [3] وكم كذبوا على الشيخ، وبهتوه وَقَوّلُوهُ أشياء هو بريء منها، والأمر كما قال تلميذه ابن القيم [4] :
فالبُهْتُ عندكم رخيصٌ سِعْرُهْ ... حَثُّوا بلا كيل ولا ميزان
وبهتوا وكذبوا على تلميذه ابن القيم فسجن مع شيخه، ومرة وحده. قال ابن رجب في (الذيل على طبقات الحنابلة) (2/ 448) : (وكان ابن القيم في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففُتح عليه من ذلك خيرٌ كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك) . وهو القائل في (فوائده(449) : (يا مخنث العزم أين أنت؟، والطريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إِسماعيلُ، وبيع يوسفُ بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكرياء، وذبح السيد الحصورُ يحيي، وقاسى الضُّرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاءُ داودَ، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواعَ الأذى محمد صلى الله عليه وسلم تُزهى أنت باللهو واللعب؟) .
ثم ذكر فيه أيضًا قوله: (سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله؛ أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟. فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا فلما صبروا مكنهم) . إلى الله المشتكى. وصدق من قال:
ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال
(1) - (العقود الدرية ص 11/ 12)
(2) - (المجموع) (5/ 262)
(3) - (قصص لا تثبت) (1/ 65/ إلى 69)
(4) - (شرح النونية) لابن عيسى (2/ 182) .