الصفحة 62 من 76

في توازن كامل يؤمن المسلم بأن كل ما يحدث في الكون وفي حياته هو قدر مقدور من عند الله من قبل أن يحدث ذلك بالفعل في الواقع البشري ... وفي الوقت ذاته يؤمن بأن عليه أن يعمل، وأن يتخذ الأسباب، وبأنَّ ما يجري من المقادير في الأرض مرتبط بالأسباب التي يتخذها (أو يدع الأخذ بها) ، وبنوع العمل الذي يقوم به».

وقال إن المسلم «يتخذ الأسباب عبادةً لله، وانطلاقًا مع سنة الله الجارية، ويحسّ في الوقت ذاته أن النتيجة التي وصل إليها هي قدرٌ قدَّره الله، وليست حصيلة أسبابه التي اتخذها، وأن الأسباب لا تؤدي بذاتها أداءً حتميًّا إلى النتيجة، إنما تؤدي إلى النتيجة بقدر من الله، ولو شاء الله ألا يوصل السبب إلى النتيجة فإن الذي ينفذ بالفعل هو إرادة الله وليس حتميَّة الأسباب» .

وذكر أن «هذا هو الفارق الأصيل بين المسلم وبين نظيريه من الجاهليين من هنا ومن هناك، أحدهما يقعد عن العمل ولا يحسُّ بقيمة وجوده الإنساني، والثاني يعمل مفتونًا بالأسباب، كأنَّها في حسِّه أرباب» .

ثم تساءل المؤلف عن «هذه العقيدة الرائعة التي أنشأت في حياة الأجيال الأولى من هذه الأمة ما أنشأت من منجزات تشبه المعجزات. ماذا أصابها خلال القرون، فانحدرت إلى مثل ما انحدرت إليه البوذية والهندوكية والرهبانية؟ كيف صارت إلى تقاعس وقعود وتنصُّل من المسؤولية وانصراف عن التغيير، أدَّى كله في النهاية إلى هذا الضعف الفكري والعلمي والمادي، وهذا التخلف الحضاري، الذي اجتذب قوى الشر من كل صوب تحاول اقتلاع جذور الإسلام من الأرض، وتندِّد بواقع المسلمين السيئ لتنفِّر من الإسلام ذاته، بزعم أن هذا الواقع هو الإسلام؟» .

فأجاب: «لقد أصابه ما أصاب لا إله إلا الله وبقيَّة العبادات، أفرغ من محتواه الحقيقي، وأصبح صورة بلا رصيد» .

وعن واقع المسلمين المعاصرين يقول: «ثم يجيء طور على"المسلمين المعاصرين"ينسلخون فيه من عقيدة القضاء والقدر كما انسلخ سادتهم الأوربيون من قبل، ويقولون: نريد أن نترك العقلية الغيبية التي كانت سبب تأخرنا، وتكون لنا عقلية علمية تقدمية، إن القضاء والقدر لا وجود له إلا حيث توجد الفوضى والجهل والانحطاط والتأخر، أما حيث يوجد النظام والعلم والتقدم والتخطيط العلمي والعقول الإلكترونية فأنَّى للقدر أن يتدخل، وكل شيء محسوب له ألف حساب» .

ثم يوضح حقيقة الأمر ويبطل مزاعمهم بقوله: «ويَغْفُلُ هؤلاء عن معنى قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} ، بل يَغْفُلُون عما هو أقرب إلى المشاهدة الحسِّيَّة من ذلك الغيب الذي يوشك أن يتحقق، يغفلون عن الأمراض التي تفاجئ أولئك الحاسبين المخططين الذين يحسبون أنهم أغلقوا بحساباتهم كل فرصة لقدر الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت