الصفحة 6 من 45

المقدمة:

الحمد لله الذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب، وخلق النجوم زينة للسماء وخلق الكواكب، والصلاة والسلام على الصادق المصدوق الصائب، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم وكل تائب، أما بعد:

فإن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة ومظهر قويم، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4]

قال الإمام البغوي رحمه الله في تفسيره:"أي: أعدل قامة وأحسن صورة".اهـ

ثم جعل الله تعالى من الإنسان ذكرًا وأنثى، كما قال تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) [النجم: 45] .

ثم بين تعالى أنه ميز الذكر عن الأنثى، كما قال تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى) [آل عمران: 36] .

ومن جملة الأمور التي ميز بها الذكر عن الأنثى"اللحى" [1] ، وقد روي أن من تسبيح الملائكة لله قولهم:"سبحان الله الذي زين الرجال باللحى، والنساء بالذوائب"، [2] وقد كانت أم المؤمنين عائشة تقسم بالله وتقول:"والذي زّين الرجال باللحى".اهـ [عيون الأخبار 4/ 55] ، ومن أقوال العامة:"زينة الرجل في لحيته، وزينة المرأة في شعرها".

فاللحية جمال الرجال، وكما روى الإمام أحمد في مسنده 5/ 77 عن علباء بن أحمر حدثنا أبو زيد الأنصاري رضي الله عنه:"قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادن مني) قال: فمسح على رأسه ولحيته، قال: ثم قال: (اللهم جمله وأدم جماله) ، قال: فلقد بلغ بضعًا ومائة سنة وما في رأسه ولحيته بياض، إلا نبذ يسير، ولقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات".اهـ [3]

وهذا الأمر من الفطرة والبديهيات، التي لا يختلف فيها أهل الحق والهيئات، بل قد قال ابن قتيبة الدينوري -خطيب أهل السنة-:"قال بعضُ الحكماء: لا تُصافين من لا شَعْرَ على عارضيه وإن كانت الدنيا خرابًا إلا منه".اهـ [عيون الأخبار 4/ 55] .

لقد كان الرجال في صدر الإسلام وبعده، بل وفي الجاهلية قبله، بلحاهم يُعرفون، وبطولها أو قصرها يُنعتون، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل عن سالم: (أرضعيه) [4] قالت لتدلل على أنه رجل:"إنه ذو لحية".اهـ [أخرجه مسلم] .

بل قد ورد أنهم في الجاهلية كانوا لا يصحبون معهم في المعارك والحروب، إلا من دخل المشط في لحيته.

فلم يكن يُعرف أحد يحلق لحيته، اللهم إلا منتكسي الفطر من المجوس ومن على شاكلتهم! فتعاقبت الأيام، وتوالت الأعوام .. حتى أصبحنا اليوم نعد الملتحين على أصابع اليد الواحدة! وصار أصحاب اللحى في غربة غريبة؛ كالشعر الأبيض في الثور الأسود!

وصار الملتحي متخلفًا .. رجعيًا .. حجريًا .. متزمتًا .. متطرفًا .. إلى آخره من كيل وسيل التهم!

(1) قال العلامة ابن منظور رحمه الله:"اللحى: منبت اللحية من الإنسان وغيره .. [قال] ابن سيده: اللحية: اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين والذقن، والجمع: لِحى ولُحى".اهـ [لسان العرب 8/ 57] .

(2) فيه ابن داود ليس بثقة.

(3) قال الإمام البيهقي في (الدلائل) (6/ 211/212) :"هذا إسناد صحيح موصول".اهـ وقال الإمام الهيثمي رحمه الله:"رواه أحمد والطبراني .. وإسناده حسن".اهـ [مجمع الزوائد 9/ 632] . وقال الشيخ مقبل الوادعي:"هذا حديث صحيح رجاله ثقات".اهـ [دلائل النبوة ص218] . وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط:"إسناده صحيح على شرط مسلم".اهـ

(4) قال القاضي عياض رحمه الله:"حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما".اهـ وهذه الحادثة خاصة بسهلة وسالم. [انظر شرح النووي لصحيح مسلم 10/ 47] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت