الصفحة 35 من 45

إن مناطات تحريم حلق اللحى -فيما يظهر لي- كثيرة؛ نكتفي بذكر بعضها:

أولًا: حلق اللحى من تغير خلق الله [1] :

قال الله تعالى: (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) [النساء: 117 - 121] .

ولا شك أن من تغير خلق الله الذي أمر الشيطان به فأطاعه من أطاعه: حلق اللحى .. فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قد غطى لحيته في الصلاة فقال: (اكشف وجهك، فإن اللحية من الوجه) [ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 25] . وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إذا نبتت لحيته:"طلع وجهه".اهـ

قال التهانوي في تفسيره:"حلق اللحية داخل في هذا التغيير".اهـ وقال الكاندهلوي:"حلق اللحية نوع من تغيير خلق الله، وهو .. من التغيير الذي يحبه الشيطان ويأمر به".اهـ [وجوب إعفاء اللحية ص24] . وقال الدهلوي:"وقصها -أي اللحية- سنة المجوس، وفيه تغيير خلق الله".اهـ [روح المعاني 4/ 220] .

قال الإمام الغزالي رحمه الله:"وقيل في غريب التأويل: اللحية هي المراد بقوله تعالى: (يزيد في الخلق ما يشاء) ، قال أصحاب الأحنف بن قيس: وددنا أن نشتري للأحنف لحية ولو بعشرين ألفًا. وقال شريح القاضي: وددت أن لي لحية ولو بعشرة آلاف. وكيف تكره اللحية وفيها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار والرفع في المجالس وإقبال الوجوه إليه والتقديم على الجماعة ووقاية العرض فإن من يشتم يعرض باللحية إن كان للمشتوم لحية".اهـ [الإحياء 1/ 144] .

وقال العلامة الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) الآية [2] :"قال بعض أهل العلم: من تكريمه لبني آدم خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها".اهـ [3] ، وقال البغوي، وأبو حيان، والقرطبي:"أكرم الرجال باللحى، والنساء بالذوائب".اهـ وكان الأحنف بن قيس رجلًا عاقلًا حليمًا يضرب به المثل في الحلم، وكان لا تنبت له لحية، وذكر عن شريح القاضي أنه قال: (وددت أن لي لحية بعشرة آلاف درهم) . ووصفه بعض قومه فقال: (وددنا أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألفًا فلم يذكر حنفه ولا عوره .. لأن اللحية عند العقلاء من الكمال والجمال والرجولة، فلا شك أن اللحية نعمة جليلة تفضل الله بها على الرجال) [4] . اهـ

وشكر هذه النعمة إعفائها. وليت شعري! كيف يجرئ مدعي الصلاح أن يحلق لحيته بثلاثة دراهم، وقد كان من لا تنبت له لحية من الصالحين يتمنى اللحية بآلاف الدراهم؟! [5]

(1) لابد أن يعتقد المسلم اعتقادًا جازمًا: أن جمال الخلاق، أفضل من جمال الحلاق!!!

(2) -سورة الإسراء، رقم الآية: (70) .

(3) -انظر: (أضواء البيان) (3/ 560) .

(4) -انظر: (أدلة تحريم حلق اللحية) (ص:45) .

(5) ومن غريب ما وقفت عليه حول هذه المسألة قول الإمام الطبري حيث ذكر ما ملخصه: أنه لا يجوز للمرأة إذا نبتت لها لحية أو شارب أو عنفقة، فلا يجوز لها إزالته، لأن ذلك من تغيير خلق الله تعالى، وهو داخل في هذا النهي! [نقله عنه ابن حجر في فتح الباري 10/ 463، وقال بقوله بعض أهل العلم] ، وهو قول مردود عليه، إذ أن أصل خلقة المرأة وفطرتها أنها بغير شعر اللحية والشارب .. فإن نبت لها شيء من ذلك، فهو كالتشويه ونحوه مما لا بأس بإزالته، لأنه بخلاف أصل خلقتها وفطرتها؛ قال الإمام النووي رحمه الله:"إذا نبت للمرأة لحية فيُستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة".اهـ [شرح صحيح مسلم 3/ 149] . ونقله عنه الحافظ في"فتح الباري"10/ 463، ورجحه الإمام ابن عابدين في حاشيته 6/ 373، وصاحب"مغني المحتاج"1/ 191، وقال صاحب"مواهب الجليل"1/ 217: بوجوب حلق المرأة للحيتها إذا نبتت .. وقال الكاندهلوي:"لو نبتت لحية للمرأة تؤمر بحلقها".اهـ وقال الناظم:

يمنع الرجل من حلق لحية ... على الذي أعتمد مع عنفقة ...

إلا لعذر كتداو، ووجب ... ذاك على المرأة فيما ينتخب

ولا يعجب القارئ من بحث هذه المسألة هاهنا، وذلك لأمرين:

1 -... أنه قد تنبت للمرأة لحية، فيجب عليها -فيما يظهر لي- أن تُزيلها .. قال الجاحظ في كتاب"الحيوان":"وقد توجد المرأة ذات لحية، وقد رأيت ذلك، وأكثر ما رأيته في عجائز الدهاقين، وكذلك الغبب والشارب، وقد رأيت ذلك أيضًا".اهـ

2 -... لكي لا يخلط بعض من يقف على بعض الآثار التي تُوجب على المرأة حلق لحيتها -إن نبتت-، فيحسب أو يسحب هذا الحكم على الرجل! فيقول بوجوب حلق اللحية للرجل أو إستحباب ذلك! تدليسًا منه وتلبيسًا! وجعل الذكر كالأنثى! والله يقول: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى) [آل عمران: 36] .

فإننا كما نقول: إن حلق الرجل لحيته يُعد من التشبه بالنساء. فإننا نقول: إن ترك المرأة لحيتها -إن نبتت- يُعد من التشبه بالرجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت