الصفحة 43 من 49

لتكون كلمة اللّه هي العليا ويكون الدّين كله للّه، لأن مقتضى كون الدّين كلّه للّه إذلال للكفر وأهله وإظهار معالم الدين والحكم به بين الناس.

قال ابن قيم: (فإنّ من كون الدين كله للّه إذلال الكفر وأهله، وإصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم، فهذا من دين اللّه ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم، وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة) [أحكام أهل الذمة / 1 - 18] .

فهذه حقيقة الصّراع وهذا هو سبب العداء، و كونه أشدّ على المجاهدين.

إن أعداءنا درسوا ديننا وتاريخنا، وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم إستطاع بعد غرس عقيدة التوحيد في قلوب الصحابة أن يؤاخى بين الأوس والخزرج بعد إقتتال وعداء كبير ثم فتح اللّه له قلوب االناس فدخلوا في دينه أفواجا حتى فتحت لهم الجزيرة كلها، ثم إنطلقت الجيوش تحمل راية لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه شرقا وغربا شمالا وجنوبا، فلم يمر القرن الأول من الهجرة حتى إمتلك المسلمون ملك كسرى وقيصر ودخلوا مصر وإفريقيا وأوربا وآسيا، وتحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن اللّه زوى - أي جمع وضمّ - لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) [رواه مسلم] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللّه بيت مدر ولا وبر إلا أدخله اللّه هذا الدين بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزا يعز اللّه به الإسلام وذلا يذل به الكفر) [رواه ابن حبان وغيره وصححه الألباني] ، فهم يعلمون أنّ المستقبل للإسلام، وأنّ هزيمتهم وانهيار دولهم يكون على يد المسلمين وأن اللّه ناصر دينه ومعزّ جنده وهازم الأحزاب وحده قال تعالى: {إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} ، ولهذا فإنك ترى أنه ما قامت طائفة تقاتل على الدين وتدعوا إلى تحكيمه، وسالكة مسلك السلف الصالح على منهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، إلا عوديت وحوربت واجتمع العالم على ضربها وصدّها عن سبيلها وتغريبها.

فطوبى للغرباء وبشرى لهم والسعيد من سعد برضوان اللّه عليه، ومن تأمّل نصوص الكتاب والسنّة إزداد بغربته سعادة وعزّا، فعن معاوية رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اللّه لا يضرّهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم ظاهرين على الناس) [رواه مسلم] ، وفي لفظ: (من يرد اللّه به خيرا يفقّهه في الدّين، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة) [رواه مسلم] ، فالغرباء ظاهرون على الناس إلى قيام الساعة، أعزّة بدينهم ماداموا مستمسكين به يقاتلون عليه لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت