القاضي عياض يُضرب به في وجه أولئك المتعالمين الذين يشترطون لتكفير الساب والشاتم والمستهزئ أن يكون قاصدا لذلك بقلبه أو مستحلا له، ويستدلون على ذلك بما لا يصح الاستدلال به هنا.
فالكفر في هذا الباب من باب انتفاء التعظيم والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم وليس له علاقة بالعلم والجهل، وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام ابن تيمية في بطلان قول من اشترط أو أوقف تكفير الساب على الاستحلال.
وقال ابن تيمية رحمه الله أيضا: فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم طوعا بغير كره؛ ومن استهزأ بآيات الله ورسوله فهو كافر باطنا وظاهرا، وأن من قال إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنا بالله وإنما هو كافر في الظاهر فقط فقد قال قولا معلوم الفساد من الدين بالضرورة. اهـ [1]
قال ابن القيم رحمه الله في فوائد فتح مكة: وفيها: تعيين قتل الساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن قتله حد لابد من استيفائه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمن مقيس بن صُبابة وابن خطل والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه، مع أن نساء أهل الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية؛ وقد أمر بقتل الجاريتين، وأهدر دم أم ولد الأعمى لما قتلها سيدها لأجل سبها النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل كعب ابن الأشرف اليهودي وكان يسبه.
وهذا إجماع من الخلفاء الراشدين ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف؛ فإن الصديق رضي الله عنه قال لأبي برزة الأسلمي وقد همَّ بقتل من سبه: لم يكن هذا لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه براهب فقيل له: هذا يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو سمعته لقتلته؛ إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا.
ولا ريب أن المحاربة بسب نبينا أعظم أذية ونكاية لنا من المحاربة باليد ... إلى أن قال ابن القيم رحمه الله: فإن قيل فالنبي لم يقتل عبد الله بن أبَيّ وقد قال {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [2] ، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل فإنك لم تعدل [3] ، ولم يقتل من قال له: يقولون إنك تنهى عن الغي وتستخلي به [4] ... إلى قوله: قيل الحق كان له، فله أن يستوفيه وله أن يسقطه؛ وليس لمن بعده أن يسقطه. اهـ [5]
وقال ابن قدامة رحمه الله: ومن سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحا أو جادا، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو آياته أو برسله أو كتبه؛ قال تعالى {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} .
وينبغي أن لا يُكتفي من الهازل بذلك بمجرد الإسلام حتى يُؤدب أدبا يزجره عن ذلك، فإنه إذا
(1) مجموع الفتاوى، ج 7/ 557: 558.
(2) سورة (المنافقون) ، الآية: 8.
(3) رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن أبي عاصم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4) رواه أحمد من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وسنده حسن.
(5) زاد المعاد لابن القيم بتحقيق الأرنؤوط، ج 3/ 439: 441.