ولا يكون مؤمنًا إلا بذلك، ومقتضى هذا [1] ولازمه محبة أصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - والثناء عليهم والاستغفار لهم وعدم مسبتهم لا العكس، وهو الكلام في بعضهم والتفتيش عن بعض عيوبهم والقدح في نفر منهم والتقليل من مكانتهم والتنزيل من علو مرتبتهم، ويكون هذا ديدنه وهذا الفعل هو هجيراه ومطلبه ويبدي ويعيد في هذه المسألة ويرى الصغير كبيرًا ويتبع هواه ويعمل بما دل عليه الباطل ويرضاه.
ولذلك قال محمد بن إبراهيم بن الوزير في العواصم 3/ 221: والكلام فيما شجر بين الصحابة مما كثر فيه المراء والعصبية مع قلة الفائدة في كثير منه.
فنعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور ومن الضلالة بعد الهدى ومن الطغيان بعد الإيمان. وأسأله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا محبة صحابة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والاستغفار لهم والإقرار بعلو مكانتهم، آمين.
وأما ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم في الجمل فالأمر فيهم أوضح وأبين مما جرى في صفين، وذلك أن الزبير وطلحة رضي الله عنهما من العشرة المبشرين بالجنة وعائشة هي أم المؤمنين وحبيبة رسول رب العالمين، وهم لم يخرجوا لطلب الملك أو المشاقة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وإنما خرجوا من أجل المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه والإصلاح بين الناس، أخرج الإمام أحمد في المسند 6/ 97 ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب سمعت نباح كلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنا:"أيتكن تنبح عليها الكلاب الحوأب"فقال لها الزبير: ترجعين! عسى الله أن يصلح بك الناس.
وأخرجه أحمد 6/ 52 ثنا يحيى عن إسماعيل به ولفظه"فقالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله عز وجل"
(1) أي النصوص التي جاءت في الثناء على الصحابة.