[1] ، وآخر صبَّ شآبيب غضبه على معاوية وعمرو بن العاص وعبدالله بن الزبير - رضي الله عنهم - ممتطيًا في ذلك الدفاع عن أهل البيت [2] محتميًا بشبه كسراب بقيعة نعوذ بالله من الزيغ بعد الهدى فقد سلم منه
(1) السلطة في الإسلام (ص 265 - 275) وهذا شأن بعض الكتّاب المعاصرين المتأثرين بالمستشرقين وبآراء النظّام رخص عليهم دينهم، فنصبوا أنفسهم حكامًا على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلبوا الحقائق وأتوا بالعجائب فطعنوا في أبي هريرة تصريحًا لا تلويحًا وزعموا (أن معظم الإسرائيليات التوراتية وغير التوراتية التي تسربت إلى كتب الأحاديث بما فيها الصحيحان هي من مرويات تلاميذ كعب وعلى رأسهم أبو هريرة ... ) وقد جعل هؤلاء من كعب شخصية تعمل على نشر اليهودية والكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهذا كلام ليس فيه شيئ من البيان والحجة ومصدره الهوى والجهل أو الخبيئة السيئة، ولم يذكر قائله دليلًا ولا شبهة دليل على فريته، ولوحصل شيء من هذا لنهض إليه الصحابة وفصلوا رأسه عن جسده، فقد كان يعيش بينهم ويأخذ عنهم السنن ولم يعيبوا عليه سوى إكثاره من التحديث عن أهل الكتاب وإتيانه بالغرائب والعجائب، على أن بعضًا مما يُنقل عنه لا أصل له ولم يأت عنه من وجه يصح.
وقد ذكر الحافظ الذهبي في السير (3/ 489) (أنه كان حسن الإسلام متين الديانة من نبلاء العلماء ... ) وقد سمع منه أبو هريرة - رضي الله عنه - بعض الشيء من أخباره عن بني إسرائيل، وعُذره في ذلك ترخيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتحديث عنهم رواه البخاري (3461) في صحيحه عن عبدالله بن عمرو بن العاص فبسط بعض أهل الأهواء لسانه واتخذ من ذلك طعنًا في أبي هريرة وتشكيكًا في مروياته واختلاطها بالإسرائيليات، وهذا تحامل عظيم وطعن في الشريعة قبل أن يكون طعنًا في أبي هريرة رضي الله عنه.
ومثل هذا الإفك المبين لو علم قائله حقيقته لأمسك عنه فهذا لا يقوله مسلم ولا ينطق به عاقل، فقد كان أبو هريرة من أحفظ الناس للأحاديث باتفاق الأئمة، وأضبطهم وأكثرهم تمييزًا لما يروي ولا يمكن أن تختلط عليه حكايات يسيرة سمعها من كعب الأحبار بكلام المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ويؤيد هذا أن أبا هريرة - رضي الله عنه - لم يكن ينسى شيئًا سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فروى البخاري - في صحيحه (119) من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (( قلت - يا رسول الله - إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: ابسط رداءك فبسطته قال: فغرف بيديه ثم قال: (( ضمه ) )فضممته فما نسيت شيئًا بعده )) رواه البخاري (7354) ومسلم (2492) من طريق الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ آخر.
(2) وهذه الفئة ليس لها ثوابت شرعية تزن بها الأمور، والغاية من منهجها غير واضح ومعالمه مشتبهة، وقد قرأت كتاب الرسالة المنقذة للزيدي المستوري، وكتاب عدالة الرواة والشهود للزيدي المرتضى المحطوري فوجدت تشابهًا في الطرح والعرض، واتفاقًا في الطعن في بعض الصحابة. ورأيت في كلامهم تناقضات، وخللًا في التقويم، وتطفيفًا في الحكم. وقد تبين من مقالاتهم أنه لا يمكن نصر الحق إلا بشيء من الباطل ولا يتم تمييز الحق من الباطل إلا بالجور والعصبية والحمل على الأبرياء فمن ذلك أنه لا يمكن حب أهل البيت ونصرتهم وبيان محاسنهم وفضائلهم إلا بالطعن في معاوية - رضي الله عنه - ومن معه، وهذا من الجهل والضلال ونصر الحق بالباطل، فالطعن في آحاد الصحابة من أجل أهل البيت أو غير ذلك عمىً عن الحق وتوغل في الباطل، فأهل السنة الذين هم أهلها يحبون أهل البيت بدون غلو ولا إطراء ويتولونهم ويذبون عن أعراضهم وحرماتهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يتولون عامة الصحابة ويعرفون لهم منزلتهم ولا يسبون أحدًا منهم، فهم وسط بين الرافضة والنواصب، فالرافضة لما كانوا أعظم الناس تركًا لما أمر الله به وإتيانًا لما حرم الله كفّروا عامة الصحابة إلا أهل البيت فقد غلوا فيهم وأضفوا عليهم خصائص الرب تبارك وتعالى؛ والنواصب لما كثر جهلهم وغلظت طباعهم وكثر فيهم الشقاق والنفاق تبرؤا من أهل البيت ونصبوا العداوة لهم نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.