وتطبيقا لهذه القاعدة نقول:
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحطم الأصنام حول الكعبة عندما كان بمكة قبل الهجرة:
إما لأنه لم يؤمر بذلك وهو بمكة.
وإما لأنه كان ينتظر أن تزول هيبتها من قلوب الناس.
وإما لأنه كان عاجزا عن تحطيمها.
وسوف ننظر أي هذه الأوصاف الثلاثة هو الصالح للتعليل:
أما التعليل بالوصف الأول فهو باطل لما أخرج مسلم بسنده أن عمرو بن عبسة لما سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه وسأله: «ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقال: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقال: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحَّد الله ولا يُشرك به شيء» .
فدل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكسر الأصنام وهو بمكة، فبطل التعليل بذلك الأمر.
وأما التعليل بالوصف الثاني فهو باطل أيضا لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كسر بعض الأصنام وهو بمكة قبل الهجرة والأصنام حينها كانت عظيمة في قلوب الناس.
فقد روى الحاكم في المستدرك:
(عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: انطلق بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى بي الكعبة فقال لي: أجلس فجلست إلى جنب الكعبة فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي ثم قال لي: انهض فنهضت فلما رأى ضعفي تحته قال لي اجلس فنزلت وجلست ثم قال لي: يا على اصعد على منكبي فصعدت على منكبيه ثم نهض بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نهض بي خيل إلى لو شئت نلت أفق السماء فصعدت فوق الكعبة وتنحى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: الق صنمهم الأكبر صنم قريش وكان من نحاس موتدا بأوتاد من حديد إلى الأرض فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: عالجه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: إيه إيه {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه فقال: اقذفه فقذفته فتكسر وترديت من فوق الكعبة فانطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم نسعى وخشينا أن يرانا أحد من قريش وغيرهم قال على: فما صعد به حتى الساعة) .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.