وبراءة رسوله من المشركين بحدد موقف كل مسلم، ويوقع إيقاعا عميقا على قلب كل مسلم بحيث لا يبقى بعد ذلك مراجعة ولا تردد، ثم يأتي بعد الإعلان العام البيانات والمخصصات والشروح لهذا الإعلان (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)
المهلة: المقصود بها. الحكمة منها. مقدارها. ابتداؤها. من يشملهم الأمر بالسياحة هذا بيان للمهلة التي أجل الله المشركين إليها .. أربعة أشهر يسيرون فيها ويتنقلون، ويتاجرون ويصفون حساباتهم، ويعدلون أو جماعهم آمنين، لا يؤخذون علي غرة وهم أمنون إلى عهودهم حتى أولئك الذين نقضوا عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم، وعند أول توقع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لن ينقلبوا إلى أهليهم من تبوك، وأن الروم سيأخذونهم أسرى كما توقع المرجفون في المدينة والمنافقون. إن الإسلام لم بأنهم غدرا ولم بأخذهم بفنه، ولم يجازهم على نقض عهودهم معه بأخذهم خلسة وهم غافلون إنما أنذرهم علانية، ثم أعطاهم مهلة كافية يسيحون فيها في الأرض .. ينظمون أمورهم ويدبرون أحوالهم، من كانت له تجارة صفاها، ومن كان له دين تقاضاه، ومن كانت له صلات دبرها ومن كان مسافرا عاد، ومن كان بهم بسفر حسب حساب الحالة الجديدة في العلاقات
إنه العدل مع الخصوم، والشرف مع الأعداء، والنظافة والنصاعة، والأفق الكريم الوضية الذي لم يبلغه إلا الإسلام .. ومتى كان ذلك؟ كان بعد فترة طويلة من العهود التي ما تكاد تبرم حتى تفضي، وبعد سلسلة طويلة من التجارب التي تقطع بأن المشركين لن يزالوا يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا، وفي أي عصر تاريخية في العصر الذي لم تكن البشرية كلها نعرف لها قانونا إلا قانون الغابة، ولم يكن بين المجتمعات المختلفة إلا القدرة على الغزو أو العجز عنه بلا إنذار ولا إخطار، ولا رعاية العهد متى سنحت الفرصة ولكن الإسلام هو الإسلام منذ ذلك الزمان ذلك أنه منهج الله الذي لا علاقة له بالزمان في أصوله ومبادئه، فليس الزمان هو الذي برقيه ويطوره ولكنه هو الذي يرقى البشرية ويطورها حول معوره وداخل إطاره، بينما يواجه واقعها المتطور المتغير بتأثيره. بوسائل منجدة ومكافئة 4 يطرأ عليها في أثناء تحركه بها قدما من تطور وتغير.
وإذن فمن الميسور أن نوجز الحكمة من هذا الإعلام ومن إعطائهم تلك المهلة في الأمور الآتية
ا. هذه المهلة فسحة يتمكن فيها المشركون من التفكير في عاقبتهم، والنظر والتدبر لاختيار ما برون فيه مصلحتهم، وبعدون فيها أنفسهم للوضع الذي بتخبرونه بعد انقضاء هذه المدة فإما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يستعدوا للمقاومة والصدام، والدخول مع المسلمين في حراب، وقتال إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم، وهي مدة كافية كل الكتابة کي بقلب فيها المشركون وجوه النظر وهم ينخيرون لأنفسهم أعدل المواقف التي ينتمي إليها تفكيرهم وتقديرهم
2.تحقق رحمة الله بهم حيث لم يضيق عليهم أمر المهلة، على رغم أنهم مشركون وأنهم ناكثون، وأنهم لا وفاء لهم، وهذا من غرائب رحمة هذا الدين، وأعذاره إلى أعدى أعدائه المحاربين، وهذا وجه من وجوه الإسلام السمح، وآية من آياته المشرقة في العدل والإحسان