فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 778

وقال في تعقيب آخر على الروايات المتعددة في شأن العهود: (فأنبأن هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا، فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لتقضه ومظاهرة أعدائهم سبيلا، فإن رسول الله قد وفي له بعهده إلى مدته عن أمر الله إياه بذلك وعلى ذلك ظاهر التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) (19) .

ثم أبلت الأية بالحقيقة الواقعة، التي تزلزل قلوب المشركين وتوقظهم إلى هذه الحقينة ليفتحوا عيونهم عليها ولتستقر وتتمكن في نفوسهم أيما تمكن، وهي أن تلك المهلة ليست من تردد أو خوف، فهي مهلة يقتضها الشرف والعدالة، ولكنها لن تعطى المشركين فرصة السوق والقلب، لأن قوتهم البشرية الفانية إنما تقف أمام القوة الجبارة الباقية، وأنهم وإن تمكنوا بها من جمع العدد والعدد لمحاربة المؤمنين، إذا استقر رأيهم على المحاربة. فإنه لا يفوتهم ما بريد الله بهم، وانهم منحوا مهلة أم أخذوا غرة. غير قادرين على تجيز الله عنهم أو تخليص أنفسهم منهم، فلا مفر لهم أينما كانوا، وكيفما كانوا، ولابد أن تلحقهم سنة الله في الكافرين من الإخزاء والإذلال (واعلموا أنكم غير مجزى الله، وأن الله مخزى الكافرين) ..

إنهم بسباحتهم في الأرض لن يعجزوا الله في الطلب، ولن يفلتوا منه بالهرب، ولن يفلتوا من مسير محتوم قدره وقرره، أن يخزيهم ويفضحهم، وأن الله سبحانه هو الذي بطلبهم، وأن بد الله لا تقصر عنهم في أي متجه اتجهوا إليه، فإلى أين يفلتون ويهربون فيعجزون الله عن طلبهم والإتيان بهم، وهم في قبضته سبحانه .. والأرض كلها في قبضته كذلك؟ وقد قرر وقدر عليهم الخزي والهزيمة، فهي من نصيبهم لا تفوتهم إذ لا راد لقضائه.

وقد عاد في الجملة الثانية إلى الغيبة بعد الحضور، ليذكر سبب ذلك الوعيد، وهو الكفر بالله ودينه، وليرشد إلى أن الخزي لا يختص بهؤلاء المشركين الحاضرين المخاطبين، وإنما هو شأن الله وسنته مع كل من تحقق فيه الكفر إلى يوم الدين: بخزيهم في الدنيا بذل الخيبة والفضيحة، ثم يخزيهم في الآخرة أيضا بعذاب النار، فتلك سنته تعالى فيهم، كما قال تعالى في مشرکي مكة ومن اقتدى بهم: (فاذاهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) وقال في عاد: (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نجمات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) والظهر أن المراد بالخزي هنا ما يكون لهم في الدنيا للتصريح بعذاب الآخرة في الآية التالية

موعد إعلان البراءة) بعد ذلك يبين الموعد الذي تعلن فيه هذه البراءة وتبلغ إلى المشركين لينذروا بها وبالموعد المضروب فيها .. (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر إن الله بري، من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) (3)

وقد أعلن هذا الأذان على الحجيج في موسم الحج سنة تسع من الهجرة في يوم عرفة أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت