فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 778

واعتمد بعضهم أن أية السيف هي قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) وقال بعضهم: إنها تطلق على كل منهما أو على كلتيهما.

ويكثر في كلام الذين أكثروا من الآيات المنسوخة: إن آية كذا، وآية كذا من آيات المسالة وحسن المعاملة والعفو والصفح والإعراض عن المشركين والجاهلين، منسوخة بأية السيف .. والصواب أن ما ذكروه من هذا القبيل ليس من النسخ الأصولي في شيء (*) .

قال الزركشي في البرهان: وأما بالقرآن على ما ظنه كثير من المفسرين فليس بنسخ وإنما هو نساء وتأخير، أو مجمل أخر بيانه لوقت الحاجة، أو خطأب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو مخصوص من غموم، أو حكم الخاص، أو لمداخلة معنى في معنى، وأنواع الخطاب كثيرة، فظنوا ذلك نسخا وليس به. أه (38)

وقال السيوطي في أقسام النسخ من الإتقان ما نصه: الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب کالأمر حين الضعف والكلة بالصبر والصفح، ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخا، بل هو من قسم المنسا، كما قال تعالى: (أو نسأها) فالمنسا هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حالة الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا بضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بأية السيف وليس كذلك، بل هي من المنسا، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم حتى ينتفل بانتقال تلك العلة إلى حكم أخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله وقال مکي؛ ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية مثل قوله في الفقرة

فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) محكم غير منسوخ، لأنه مؤجل بأجل والمؤجل بأجل لا نسخ فيه أه (29)

وهذا هو الحق الواضح، فإن من سمات المنهج الإسلامي أنه حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها فهو لا يقابل مراحل الواقع بوسائل متجمدة.

وفي ظل هذا، وعلى ضوء ما تقدم من كلام السيوطي نستطيع أن نفهم لم كانت هذه الأحكام الأخيرة الواردة في هذه السورة: (من براءة الله ورسوله من عهود المشركين، وامهال ذوي العهود الموقوتة منهم. ممن لم ينقضوا مع المسلمين عهدا ولم بظاهروا عليهم أحدا. إلى مدنهم وامهال ذوي العهود غير الموقوتة. ممن لم ينفضوا مع المسلمين عهدا كذلك ولم بظاهروا عليهم أحد، إلى أربعة أشهر، ومثلهم من لم يكن لهم مع المسلمين عهد أصلا من المشركين ونبذ عهود النافضين لعهودهم، مع امهاتهم أربعة أشهر بسبحون في الأرض أمنين فإذا انسلخت هذه الأشهر أخذوا وقتلوا حيث وجدوا وحوصروا ومنعوا من التنقل وهم آمنون) كلها أحكام تعدل الأحكام المرحلية السابقة في السور التي نزلت قبل التوبة، بيد أن تلك الأحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف الأمة المسلمة بعد نزول الأحكام الأخيرة في سورة التوبة، ذلك أن الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هي التي تحدد عن طريق الاجتهاد المطلق. أي الأحكام هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت