للمسلمين إلى التسامح والرفق، وأن يقبلوا هؤلاء الذين جاءوهم مسلمين، وأن يفسحوا لهم في قلوبهم مكانا مع اخوانهم السابقين، وان يغفروا لهم ما كان منهم من إساءات فيما أصابوهم به في أموالهم وأنفسهم، فإن الله ينال المؤمنين بمغفرته ورحمته فليأخذوا هؤلاء المسيئين اليهم بمغفرتهم ورحمتهم، ثم هو اغراء المشركين أن يدخلوا في دين الله، فهذه رحمة الله ومغفرته مبسوطة لهم، وهؤلاء هم المؤمنون يلقونهم بالرحمة والمغفرة لما كان منهم في عدوانهم عليهم وكيدهم لهم انها فرصة مسعدة والسعيد من أخذ بحظه منها
ذلك فيما يتعلق بمشرکي الجزيرة وحدها بوصفها قاعدة العقيدة، فأما المشركون خارجها فالأمر بينهم وبين الأمة المسلمة: الا يقفوا بالقوة في سبيل الدعوة الإسلامية والا بفتوا المسلمين عن دينهم وألا يقاتلوا المسلمين أو بظاهروا عليهم أو يخرجوهم من ديارهم
ولا نحب أن ندخل هنا في الجدل الفقهي الطويل الذي تعرضت له كتب التفسير وكتب الفقه حول هذا النص (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) .. وعما إذا كانت هذه شرائط الإسلام التي بكفر تاركها؟ ومتى يكفر؟ وعما إذا كان يكتفي بها من النائب دون بقية أركان الإسلام المعروفة .. إلخ فما نحسب أن هذه الأية بصدد شيء من هذا كله .. إنما هو نص كان بواجه واقعا في مشركي الجزيرة يوم ذاك، فما كان أحدهم ليعلن توبته ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا وهو بني الإسلام كله، ويعني استسلامه له ودخوله فيه، فتمت الآية على التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لأنه ما كان ليفعل هذا منهم في ذلك الحين إلا من نوي الإسلام وارتضاه بكامل شروطه وكامل معناه، وفي أولها الدينونة لله وحده بشهادة أن لا إله إلا الله واعتراف برسالة محمد بشهادة أن محمدا رسول الله .. فليست هذه الآية بصدد تقرير حکم فقهي، إنما هي بصدد اجراء واقعي له ملابساته. .
آية الأمان) وأخيرا فإنه مع هذه الحرب المعلنة على المشركين كافة بعد انسلاخ الأشهر الأربعة بظل الإسلام على سماحته وجديته وواقيته كذلك، فهو لا يعلنها حرب إبادة على كل مشرك. كما قلنا. إنما يعلنها حملة هداية كلما أمكن ذلك، فحين لا يكون هناك خطر من المشركين كما لو كانوا أفرادا غير منجمين ولا مشلحين، ولا يملكون للإسلام شرا ولا بضمهم تجميع جاهلي بنعرض للإسلام ويتصدى .. فيبلغ الإسلام من السماحة آفاقا ما تزال البشرية إلى هذه اللحظة تتطلع إليها وهي منها بعيد، إذ يكفل لهم الإسلام في دار الإسلام الأمن وبأمر الله ورسوله أن يجبرهم حتى سمعوا كلام الله ويتم تبليغهم فحوى هذه الدعوى ثم أن يحرسهم حتى يبلغوا مأمنهم، هذا كله وهم مشركون
(وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) .. (1)
لقد بينت الآية السابقة حكم المصرين على شركهم. وهو أنهم يقتلون أو يؤسرون .. إلخ وبينت حكم التائبين من الشرك الذين لبوا الدعوة ودخلوا في جماعة المؤمنين، وجاءت هذه