فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 778

الآية تبين لنا حكم الفريق الثالث، وهو الفريق الذي يصر على الشرك، ولم يتب عنه، وإنما هو مشرك يطرق باب الفهم والمعرفة حتى يطمئن قلبه، وهو لذلك يطلب الجوار والأمان في دار الإسلام، ولما كان الإسلام حريصا على كل قلب بشرى أن يهتدي، وأن يتوب، فقد أمر أن يعطوا الجوار والأمان، وأن يسمح لهم بالدخول في دار المسلمين، ذلك أنه في هذه أحالة أمن حربهم وتجمعهم وتأليهم عليه، فهم لا يملكون قوة ولا يستطيعون أذى ...

وأجارهم وصان أموالهم وحياتهم وحريتهم. لا ليكرهوا على الإسلام وهم عزل ضيفاء ولكن. ليعطوا فرصة لسماع القرآن ومعرفة هذا الدين، لعل قلوبهم أن تتفتح وتتلقى وتستجيب .. فإن اطمأنوا ودخل الإيمان قلوبهم التحقوا بالمؤمنين، وصاروا في الحكم كالتائبين. وإن لم تتشرح صدورهم للإسلام فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن يخفروشم ويحرسوهم بعد اخراجهم حتى يصلوا إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم، ويطمثنون فيه على حياتهم وأموالهم. (9)

ولقد كانت قمة عالية تلك الاجارة والأمان لهم في دار الإسلام وأن قيم الإسلام الصاعدة ما تزال تترامى قمة وراء قمة .. وهذه منها .. هذه الحراسة للمشرك عدو الإسلام والمسلمين من أذى المسلمين وفتنتهم وعاداهم هذه السنين، هذه الحراسة له حتى بلغ مأمنه خارج حدود دار الإسلام،، انه منهج الهداية لا منهج الابادة، حتى وهو يتصدى لتأمين قاعدة الإسلام للإسلام

الا فلتخرس ألسنة الذين يقولون: إن الإسلام دين قام على السيف وإراقة الدماء ويتحدثون عن الجهاد في الإسلام فيصفونه بأنه كان لإكراه الأفراد على الاعتقاد .. إن هؤلاء في حاجة إلى أن ينطلعوا إلى تلك القيمة التي يمثلها هذا التوجيه الكريم .. فهذا صنيع الإسلام مع أعداءه حتى لا يكون منهم حرب معه أو عدوان عليه، انها سلم خالصة، وإنسانية في أرفع منازلها، فلا إكراه في الدين، ولا عنوان مع من يختلفون مع المسلمين اختلافا قائما على البحث والنظر وليس في الدعوات دعوة تحترم العقل وتمنحه حقه المطلق في النظر والاختبار كدعوة الإسلام التي لا تفرض عقيدتها على ذي عقل ولو كان غفلا جهولا محنقا ذلك أن الإسلام ليس من همه التسلط على أعداد كثيرة من الناس شأن الغزاة الفاتحين فمثل هذا لا بقيم في القلوب دينا ولا يثبت في الأرض عقيدة، وإنما الذي يهمه أن يجد العقول التي تتقبل دعوته، والنفوس التي تستجيب لها، والقلوب التي تمر بها

أن هذا الدين إعلام لمن لا يعلمون، واجارة لمن يستجيرون، حتى من أعداءه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه، ولكنه إنما يجاهد بالسيف ليحطم القوى المادية التي تحول بين الأفراد وسماع كلام الله، وتحول بينهم وبين العلم بما أنزل الله، فتعول بينهم وبين الهدي، كما تحول بينهم وبين التحرر من عبادة العبيد، وتلجأهم إلى عبادة غير الله ومني حطم هذه القوى وأزال تلك العقبات، فالأفراد. مع عقيدتهم آمنون في كنفه، يعلمهم ولا برهبهم، ويجبرهم ولا بقتلهم، ثم بحرسهم ويكفلهم حتى يبلغوا مأمنهم .. هذا كله وهم يرفضون منهج الله ... فأية سماحة .. وأية عدالة؟ وأية رعاية لكرامة العقل والضميرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت