وما كانت تنتهي السنة الثامنة حتى غدا اليكريون حلفاء قريش على الخزاعيين حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، واستعانوا في حربهم بأوليائهم من قريش فأمدتهم قريش مبرا بالعدة والرجال (وهنا استنجد الخزاعيون حلف رسول الله، ورأى الرسول أن ذلك من قريش نقض العهد، وبذلك عادت حالة الحرب بينهم وبين المسلمين، فجهز التبي جيشه، وأخذ عدته الفتح مكة، وفي زلة حاطب بن أبي بلتعة قبل خروج الجيش من المدينة، وقد بعث بخطاب إلى
فريش مع ظعينه مسافرة إليهم بخبرهم بما أجمع عليه النبي أمره من نجدة الخزاعيين وفتح مكة فأنزلت أول سورة الممتحنة
وبفتح مكة تقلمت أظفار الشرك وخضعت قريش لمحمد وأصحابه ولكن لا يزال للشرك في جزيرة العرب دعاة وأنصار، تتزعمهم ثقيف وهوازن من قبائل العرب، هالهم أن بفتح محمد مكة ويخشوا عاقبة ذلك على أنفسهم، وعقدوا أمرهم بينهم على غزو المسلمين قبل أن يغزوهم وجمعوا لهم من كل صوب، فخرج النبي إليهم بجيش جرار فيه ألفان من أهل مكة، حتى وصل حنينا (واديا قريبا من الطائف) وقد داخل بعض جيش المسلمين شيء من الغرور لكثرة عددهم، فأصيب بهزيمة، ثبت فيها الرسول، شأنه في كل المواقع العربية، وحملوا على الأعداء حملة واحدة تفرق بها المشركون شذر مذر، وتم التصر لأولياء الله وبالقضاء على ثقيف ومن مهم من هوازن في غزوة الطائف التي أعقبت غزوة حنين هذه، تمت الكلمة في جزيرة العرب الدين الله.
هذا هو وضع المشركين بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من وقت البعثة إلى وقت الفتح الأكبر، بل إلى ما بعده كما أرشدت إليه حوادث ما بعد الفتح وهو وضع المحاربين الناكثين الشامتين العاملين على هزيمتهم في كل وقت وبكل مناسبة.
وإذا كان هذا هو وضع المشركين بالنسبة للنبي وصحبه، فقد كان وضع أهل الكتاب. بالنسبة للمؤمنين من يوم أن استقرت أقدامهم في المدينة. لا يقل عن وضع المشركين إن لم يكن أشد منه ظلما وأعظم طغيانا وأبعد خيانة، فقد عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم من يوم أن دخل المدينة على حرية التدين، وعلى الأمن والاستقرار وألا يعينوا عليه عذرا، ولكن ما البثوا أن نقضوا العهد وظاهروا المشركين في حروبهم للتبي، وكان بنو قينقاع أول طائفة منهم نقضت العهد، وأظهرت البغي والعدوان بانتهاك حرمة سيدة من نساء الأنصار، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة عقب غزوة بدر، ودعا النبي رؤساءهم وحذرهم عاقبة البني إن استمروا، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك ما لقيت من نومك فإنهم قوم لا علم لهم بالحرب، ولو الفيتا، لعلمت أنا نحن الناس، وقد تشبث بحلفهم ابن أبي، وقال: إني رجل أخشى الدوائره وقد انتهى أمر حصارهم بجلائهم إلى أذرعات قرية بالشام) كما انتهى أمرهم بالهلال العام.
ثم تلا بني قينقاع في نقض العهد ينو النضير، حينما دبروا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ديارهم فطلب منهم الرسول الجلاء عن المدينة كما جلا عنها بنو قينقاع، وقد أرسل إليهم ابن أبي يشجعهم على البقاء، فنزلوا على وعده وأبوا أن يخرجوا حتي ده مهم النبي وشتت شملهم، وكان ذلك في ربيع الأول من السنة الرابعة وفيهم نزلت سورة الحشر