(5) (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما ختر فوم بالعهد إلا سلط الله تعالى عليهم العدو")."
ولست أجد أبلغ في هذا المقام بعد كتاب الله وسنة رسوله ما صدر به الإمام على كتابه إلى الأشقر الفخمي حيث قال: (إن عقدت بينك وبين عدو عقدا أو ألبسته منك ذمة قحط عهدك بالوفاء وأرع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فانه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد اجتماعا عليه مع تفرق أهوائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، فلا تفدون بذمتك ولا تخيين بعهدك(27)
لا وفاء إلا مع اهل الوفاء ويبدو أن هذه المعاملة الفاضلة القائمة على رعاية العهود والمبالغة في احترامها بدأت من جانب واحد فقط، أما الجانب الآخر فقد أظهر الموافقة والقبول، وأضمر التربص والكبد ريثما توانية الفرصة المناسبة، ليعلن غدره وبوفع مكره فهو يستمسك بالوفاء مادام ضعيفاء ويحرص علبه ما ظل يستفيد منه،، فإذا أحس بالدفء والقوة تحرك ليلدغ ويبسط يده وفمه بالأدي .. وقد ظل المسلمون الأولون حينا من الدهر يتعلقون بمثالياتهم ويحاولون الابقاء على عهودهم، مع مخالفيهم في الدين من اليهود والنصارى والمشركين
بيد أن هذه المحاولات ضاعت سدي .. فقد نقض يهود المدينة معاهداتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ظنوا الفرصة سنحت للقضاء على المسلمين في معركة الأحزاب كما نقض المشركون عهد الحديبية مع أن بنوده لمصلحتهم، وعدا بعض أمراء الشام على رسولي للنبي الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه.
إن كفار قريش أذوا النبي والمسلمين أشد أذي في مكة وفتنوا بعضهم عن دينهم و أزهقوا أرواح بعضهم بالتعذيب، وحبسوا وقيدوا بعضهم والجأوهم إلى الهجرة من وطنهم والتخلى عن أموالهم .. إلى بلاد الحبشة أولا، ثم إلى المدينة، وتأمروا في النهاية على النبي ليغتالوه، ودبروا تدبيرهم لذلك، فأحبطه الله ثم قاتلوا بعد الهجرة أشد قتال، وألبوا عليهم العرب وعزموا على استئصالهم بالزحف الضخم الذي عرف بزحف الأحزاب مما أشارت إليه آيات كثيرة (2) وأخيرا ذلك النقض المتكرر منهم ومن اليهود ..
واستبان من أطراد الحوادث أن المسلمين بعاملون رجالا من نوع لاشرف لديه ولا وفاء فأصبح لزاما عليهم أن يعدلوا مسلكهم وأن بحسموا عهودا لم يحترمها منذ أبرمت إلا طرف واحد .. وفي ضوء هذه الملابسات نزلت سورة براءة، وفيها نسمع دمدمة الآيات، ومن ورائها نفقة السلاح وفي هذه السورة أعلن. في جلاء. أن المعاهدات السابقة قد ألغيت وأن ألاعيب المشركين الكثيرة قد وضع لها حد أخيره
والإنسان يستمع إلى الآيات التي تضمنت حيثيات هذا الإلغاء فيجد فيها دلائل الغضب من مسالك المشركين النابية وتقريع شديدا على مخالفاتهم الماضية ونصا حاسما على أن الوفاء لا موضع له إلا مع أهل الوفاء فحسب.