على المسلمين أحدا ما، بشيء ما من عدة أو عدد أو رأي، ولم يمالتوا أو بهيجوا عليهم أقواما أخرين وينصروهم ويرغبوهم في الحرب .. فهؤلاء يجب الوفاء لهم بذمتهم واتمام عهدهم إلى مدتهم وفاء بوفاء وعهدا بعهد، وكرامة بكرامة، إذا لا يجعل الوافدون كالقادرين.
ومن الضروري أن من شروط العهد التي ينتقض بالإخلال بها عدم مظاهرة أحد من أعدائنا وخصومنا علينا، وقد صرح بهذا الاهتمام به، والا فهو يدخل في عموم ما قبله، وذلك أن الفرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاملين للأخر، وحرية التعاون بينهما، فمظاهرة أحدهما العدو الآخر ومعاونته ومساعدته على قتاله وما يتعلق به، كمباشرته للقتال بنفسه.
لقد وفي الإسلام لهؤلاء الذين وفوا بعهدهم فلم يمهلهم أربعة أشهر. كما أمهل كل من عداهم، ولكنه أمهلهم إلى مدنهم، ذلك أنهم لم ينقصوا المسلمين شيئا مما عاهدوهم عليه. ولم بعينوا عليهم عدوا، فاقتضى هذا الوفاء لهم والابقاء على عهودهم إلى نهايته ذلك مع حاجة الموقف الحركي للمجتمع المسلم في ذلك الحين إلى تخليص الجزيرة بجملتها من الشرك، وتحويلها إلى قاعدة أمينة للإسلام لأن أعداءه على حدود الجزيرة قد تنبهوا لخطره وأخذوا بجمعون له. كما سيجن في الحديث عن غزوة تبوك. ومن قبل كانت وقفة مؤتة إنذارا بهذا التحفز الذي أخذ فيه الروم، فضلا على تحالفهم مع الفرس في الجنوب في اليمن للتألب على الدين الجديد.
ولقد حدث ما ذكره ابن القيم من أن هؤلاء الذين استثناهم الله وأمر بالوفاء لهم بعهودهم قد دخلوا في الإسلام قبل أن تنقضي مدتهم، بل حدث أن الآخرين الذين كانوا بنفضون عهودهم وغيرهم من أمهلوا أربعة أشهر پسيحون فيها في الأرض، لم بسيحوا في الأرض وإنما اختاروا الإسلام أيضار
لقد علم الله سبحانه. وهو بنفل بيده خطى هذه الدعوة - أنه كان الأوان قد أن لهذه الضرية الأخيرة، وأن الظروف كانت قد تهيأت، والأرض كانت قد مهدت، وانها تجي، في أوانها المناسب، وفق واقع الأمر الظاهر، ووفق قدر الله المضمر المغيب، فكان هذا الذي كان
ونقف أمام النقيب الإلهي على الأمر بالوفاء بالعهد للموفين بعهدهم .. فأتموا إليهم عهدهم إلى مدنهم إن الله يحب المتقين إنه بعلق الوفاء بالعهد بتقوى الله، وحبه سبحانه للمتقين، فيجعل هذا الوفاء عبادة له، وتقوى بحبها من أهلها، وهذه هي قاعدة الأخلاق في الإسلام .. انها ليست قاعدة المنفية والمصلحة، وليست قاعدة الاصطلاح والعرف المتغيرين أبدا .. انها قاعدة العبادة لله وتقواه .. فالمسلم يتخلق بما يحبه الله منه ويرضاه له، وهو بخشي الله في هذا وبنطلب رضاه، ومن هنا سلطان الأخلاق في الإسلام كما أنه من هنا مبعثها الوجداني الأصيل، ثم هي في الطريق تحقق منافع العباد وتؤمن مصالحهم وتنشيء مجنما تقل فيه الاحتكاكات والتناقضات إلى أقصى حد ممكن، وترتفع بالنفس البشرية صعدا في الطريق الصاعدى إلى الله