فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 778

عهودهم إلا ريثما تلوح لهم الفرصة بحسبونها مواتية الكرة على المسلمين، وكان المشركون. حتى بعد فتح مكة، يطوفون بالبيت عرايا على عادتهم في الجاهلية ويصفقون ويصفرون مخلين بكرامة البيت العتيق، محتمين بتلك العهود (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) .

وكان وجود المشركين في الجزيرة العربية بعد غلية المسلمين عليها واعتبارها مهد الإسلام ومحصنة وقاعدة الدعوة ومثابة العقيدة، كان وجود المشركين في الجزيرة تهديدا دائما للعقيدة الجديدة ولأهلها الذين اتجهت إليهم الأنظار وأخذ الروم يجهزون جيوشهم على أترافها قبيل غزوة تبوك بعد الفتح، فلم يكن بد أن تخلص الجزيرة العربية للإسلام، وأن تتخلص من الشرك، وأن تنتهي العلاقات والعهود بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين في الجزيرة كافة

ثانيا: كذلك كانت في الجزيرة من أهل الكتاب جماعة انحرفت يمن كتابها , سواء في ذلك اليهود والنصارى وأشركت بالله بعض خلقه، ومنهم من كان شوكة في ظهر المسلمين، ومنهم من حرض على المسلمين، ومنهم من حالف على المسلمين، فلم يكن بد كذلك من تطهير الجزيرة من هذا اللون من الشرك ومن تأمين ظهور المسلمين وحماية المعسكر الإسلامي من الجاسوسية والدسيسة

ثالثا؛ وكان هناك منافقون يظهرون الإسلام، وهم حرب عليهم، كانوا دسيسة في صفوف المسلمين تخزنهم وتنشر القلق والاضطراب بينهم، فلم يکن بد أن يكشفهم الله للمسلمين، وأن بحذرهم کيدهم، وأن يأمر الرسول أن يعزلهم ويأخذهم بما تتكشف من تدبيراتهم، إذن فلا مفر من تحديد حاسم لموقف المسلمين من المنافقين

رابعا: والجهاد هو الوسيلة الوحيدة لتطهير الجزيرة من هذا الرجس كله، ومن ثم فليدع. الناس قاطبة إلى الجهاد الشامل بالنفس والمال، وليبين شرفه وأجره، وليح باللائمة على المتخلفين القاعدين، وليكن من قبل ذلك ومن بعده استجاشة لوجدان المسلمين إلى قتال الكفار والمنافقين بما أقترفوه من كيدهم للمسلمين وحقدهم عليهم وتمنى الشر لهم، وما تحمله له نفوسهم من الخصومة والبغضاء وما وقع منهم للرسول ومن معه من المؤمنين

في هذا الجو، ولمعالجة هذا الوضع الذي سار إليه المسلمون وتخليصهم من أثار الشرك والمشركين ومفاسد أهل الكتاب وذبذبة المنافقين، نزلت سورة التوبة ترسم للمؤمنين ما بتخذونه أساسا لدولتهم، ومنهاجا لحياتهم، حتى يستقر حكمهم ويتركز سلطانهم وتتوطن سيطرتهم على الجزيرة وتستمر عزتهم وكرامتهم يقوي الخبر الخالصة والإيمان القوى

والواقع أن من يتدبر هذه السورة يجدها ترسم للمؤمنين الصادقين خطط حياتهم بالنسبة للمشركين وبالنسبة لأهل الكتاب، وبالنسبة للمنافقين، وترسم لهم المثل الأعلى ليكون هدفهم فيما يختص بأنفسهم وقيامهم بالإصلاح الإلهي للعالم كما هو مقتضى الإيمان، وقد تناولت السور هذه الأغراض موجزة في بعضها، مسهبة مفيضة في بعضها الآخر، إفاضة لم تعهد في غيرها لاسيما موقف المنافقين، وبذلك يكون موضوع السورة الرئيسي هو: القول الفصل في علاقة الأمة المسلمة بغيرهم، وتحديد موقفهم الحاسم الأخير من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت