وبعضهم بعد انتهاء مدتهم حتي يئول الأمر بعد هذه الأحكام إلي حالتين اشتين: دخول في الإسلام وأداء فرائضه، أو قتال وحصار وأسر وأرصاد .. أنهم عالتوا بالجحود خالقهم ورازقهم وهم يحادون الله ورسوله بهذا الجحود أبتداء، فكيف يجوز أن يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله؛ هذه هي القضية التي يثيرها هذا السؤال الاستنكاري في الآية (كيف يكون المشركين عهد، عند الله وعند رسوله؟ وهي قضية تنصب على مبدأ انتعاهد ذاته، لا علي حالة معينة من
حالانه
16.وقد يستشكل علي هذا: بأنه كانت للمشرکين عهود فيلا .. وبعض هذه العهود أمر الله بالوفاء بها، وأنه قد وقعت عهود سابقة منذ قيام الدولة المسلمة في المدينة .. عهود مع اليهود، وعهود مع المشركين، وأنه وقع عهد الحديبية في السنة السادسة للهجرة، وأن النصوص القرآنية في سور سابقة كانت تجيز هذه العهود، وإن كانت تجيز نبذها عند خوف الخيانة .. فإذا كان مبدأ التعاهد مع المشركين هو الذي يرد عليه الإنكار هنا، فكيف إذن أبيحت تلك العهود وقامت حتي نزل هذا الإستكار الأخير المبدأ التعاهد؟
وهذا الاستشكال لا معني له في ظل الفهم الصحيح لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي .. لقد كانت تلك المعاهدات مواجهة للواقع في حينه بوسائل مكافئة له أمام الحكم النهائي فهو أنه لا ينبغي أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله .. كانت أحكاما مرحلية في طريق الحركة الإسلامية التي تستهدف ابتداء ألا يكون في الأرض شرك بالله وأن تكون الدنيوتة لله وحده .. ولقد أعلن الإسلام هدفه هذا منذ أول يوم ولم يخدع عنه أحدا .. فإذا كانت الظروف الواقعية تقضي بأن يدع من يسالمونه ابتداء من المشركين ليتفرغ لمن يهاجمونة وأن بوادع من بر بدون مواد عنه في فترة من الفترات، وأن بعاهد من يرفهون معاهدته في مرحلة من المراحل، فإنه لا يغفل لحظة عن هدفه النهائي الأخير، كما أنه لا يغفل عن أن هذه المواد عات والمعاهدات من جانب بعض المشركين موقوتة من جانبهم هم أنفسهم، وأنهم لابد مهاجموه ومحاربوه ذات بوم وأنهم لن يتركوه وهم يستيقنون من هدفه، ولن يأمنوه على أنفسهم إلا ريثما يستعدون له ويسنديرون لمواجهته،، ولقد قال الله للمسلمين منذ أول الأمر (ولا يزالون يقاتلونکم حتي بردوكم عن دينکم إن استطاعوا"وهي قوله الأيد التي لا تختص بزمن ولا بينة: وقوله الحق التي لا تتعلق بظرف ولا حالة"
17.ومن أظهر الأدلة على ذلك اعتناع ورسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجديد العهد أو تمديده مع قريش حينما اعتبر العدوان على حلفائه بني خزاعة بتحريض من قريش نقضا له فزحف علي مكة وفتحها، رغم المحاولات التي بذلها أبو سفيان عندما وصل إلي المدينة من قبل قريش ليجدد العهد، فلم يجد إلا الإصرار التام والعزم الأكيد من رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه علي رفض تجديد العهد.
وبعد .. فليراجع المسلمون موقفهم لعل الله أن يرزقهم الهوة من عنده وأن يجعل لهم الفرقان الذي وعد به عباده المتقين