التي تدور بين أتباعه وأعدائه والتي يحتمل فيها هؤلاء الأتباع ما يحتملون من ابتلاء في أموالهم وأنفسهم .. هذه الحرب ليست لحساب أحد إنما هي من أجل هذا الدين، ولحساب هذا الدين .. ومن هنا كان مطلب المسلمين المجاهدين أولا وقبل كل شيء هو هداية الناس وابشفاء الخير لهم، فإذا اهتدى الضال وأمن المشرك ونزع الكافر عن كفره كان ذلك هو الجزاء الحسن الذي يسعد به المسلم، والغنيمة العظيمة التي تجد فيها العزاء لكل ما أصيب به في نفسه أو ماله، ولهذا فإن المسلمين يظلون على موقفهم العدائي من المحاربين لهم المعتدين على الإسلام ماداموا على حالهم تلك، فإذا هم تحولوا عن موقفهم هذا ودخلوا في دين الله .. انقلبوا في الحال أولياء للمؤمنين اخوانا لهم، قد ذهب إيمانهم بالله بكل ما كان لهم في نفوس المؤمنين من عداوة وبغضاء، وأصبح لهم كل حقوق الأخوة الإسلامية بتلك الشروط: التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والنص يقرر هذه الشروط في دقة كاملة ووضوح، لأنه بصدد تشريع محدد النصوص .. وهم لا يتحقق دخولهم في الجماعة المسلمة بعد الشهادتين إلا بإقامة الصلاة وابناء الزكاة، وهو نص في أن أخوة الدين تثبت بهذين الركنين، ولا تشوه پنيرهما من دونهما، والكلام في جملة المشركين وفيهم الغني والفقير، وهل يتعارف الإخوان في الدين إلا بإقامة الصلوات في المساجد وأداء الصدقات للمواساة بينهم ولإقامة الروابط والمصالحة وهذه الأخوة أول ميزة دنيوية للإسلام، فإن المشركين كانوا محرومين من هذه الأخوة العظيمة، بعضهم حرب لبعض في كل وقت إلا ما يكون من عهد أو جوار قلما بفي به القوى الضعيف دائما
وتفصل الآيات لقوم يعلمون (19) وتبين الآيات المفصلة للدلائل الفاصلة بين الإيمان والكفر وبين الحق والباطل والمفرقة بين الفضائل والرذائل، لقوم يعلمون وجوه الحجج والبراهين وبدركون هذه الأحكام وأسرار الحكمة فيها .. وهم المؤمنون .. فهم الذين بعقلونها دون الجاهلين من منبعي الظنون والمقلدين .. وفيه دعوة للمشركين أن يتدبروا أمرهم فيما بينهم وبين هذا الدين الذي يدعون إليه، وانهم لو نظروا بقلوب سليمة وعقول تنشد الحق وتطلب الهدى لعلموا أن دعوة الإسلام لا تقوم على عصبية قبلية أو طائفية أو من أجل جاه أو سلطان، وانه لو كان هذا شأنها لما كان دخولهم الإيمان شفيعا يشفع لهم عند المسلمين، وبعفي على ما اقترفوه في حقهم من آثام، ولما قيل منهم المسلمون إلا الإستسلام اهم واستباحة دمانهم وأموالهم شأن الحروب التي تقع بين الناس من أجل أمور الدنيا المتنازع عليها بينهم أبداء
والشرط في هذه الآية كالشرط في الآية الخامسة، وإنما اختلف الجواب المناسبة السباق .. وردت تلك الآية تالية تلو الأمر بقتل المشركين، تناسب أن يكون جواب الشرط فيها الأمر بتركهم، وهو قوله تعالى: «فخلوا سبيلهم، ووردت هذه الآية تلو اثبات رسوخ المشركين في كفرهم وضلالهم وصدهم عن سبيل الله، وكونه هو الباعث لهم على قتال المؤمنين ابتداء ثم على نقض عهودهم، فناسب أن يذكر في جواب شرطها، فإخوانكم في الدين، وهذه أجلب القلوبهم وأشد استمالة لهم إلى الإسلام.