التي استعظموا وافتخروا بها وأمنوا عاقبتها، بأن الذين آمنوا ضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع، وضموا إليها الخشية من الله، فهؤلاء صار حصول الأهنداء لهم دائرا بين عسي ولعل، فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون، ويجزمون بفوزهم بالخبر من عند الله وقبه لطف بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء ورفض الإضرار بالله تعالى، أو الاغترار بالأعمال الصالحة، فربما دخلها بعض المفسدات وصاحبها لا يشعر بها.
ميزان الله هو الميزان
هذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت الله، وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء بينها الله للمسلمين والمشركين، فما يجوز أن نستوى الذين كانوا بعمرون الكعبة بسفون الحجيج في الجاهلية وعقيدتهم ليست خالصة لله، ولا نصيب لهم من عمل او جهاد، لا يجوز أن يتساوي هؤلاء. لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل الله وإعلاء كلمته،
أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام کمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله باموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا أن الله عنده أجر عظيم، (3)
قد كان بعض مشركي مكة يقومون على خدمات في المسجد الحرام، كالسقاية للحجيج واطعام الوافدين للحج وتأمينهم وعمارة المسجد وفرشه، و غير هذا مما كانت تتقاسمه قريش بين بيوتها من أعمال البيت الحرام، فلما جاء الإسلام وحرم على المشركين الاتصال بالمسجد الحرام والقيام بأي عمل فيه أو له، وقع في نفس هؤلاء الذين كانوا يقومون على تلك الأعمال انهم بعد أن دخلوا الإسلام لازالوا في حاجة إلى ما يملأ هذا الفراغ، ويذهب بذلك القلق النفسي الذي استشعروه حين زال سلطانهم الديني على المسجد الحرام وقاصديه، فجاءت هذه الآيات تعالج ذلك الشعور، وتكمل موضوع الآيتين اللتين قبلها، وتبين أن الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وأن إيمانهم أفضل مما كان بفخر به المشركون من عمارته وسقاية الحاج فيه وأن قام بها المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام.
سبب النزول وقد ذكر المفسرون أحداثا متعددة في سبب نزول هذه الآيات وإليك بعضها:
روى الفريابي عن أبن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباسك: أي عم، ألا تهاجر؟ الا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج، الآية (2) وروى ابن أبي حاتم من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قال لعباس حين أسر