ميزان كل شيء يتعلق به الإنسان من أهل مال وموطن، وبذلك يشقد عزم المؤمن ويقوي بقينه ويجد القدرة من نفسه على أن يجلي عنها كل ما يطوف حول إيمانه بالله ورسوله والجهاد في سبيله من دواعي الوهن والضعف حين تطلع عليه الذكريات لأهله وماله ووطنه
جاءت هذه الآيات ذاكرة ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضا، وضربت لذلك مثلا بغزوة حنين، وذلك يدل على أن الإنسان مني اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجع الدين على الدنيا أنام الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه .. فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء إلخ، لأجل مصلحة الدين، وتصبيرا لهم عليها ووعدا لهم على سبيل الرمز بانهم أن فعلوا ذلك فالله موصلهم إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الأحوال.
لقد أبد الله المؤمنين وأمدهم بنصره. ومن نصره الله فلا غالب له. في مواطن كثيرة في بدر والخندق وفتح مكة، وفي حربهم مع اليهود في قريظة وخيبر وغيرها ولقد كان نصر الله لهم في هذه المواطن الكثيرة قريبا من ذاكرتهم لا يحتاج إلى أكثر من الإشارة.
فأما يوم حنين (18) فقد كان المسلمون في عدد عديد وعدة ظاهرة، حتى لقد قال قائلهم اننا لن نغلب اليوم عن قلة ومع هذا فإنهم ما كادوا يلتقون بعدوهم حتى هزموا وانكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم للعدو، ولم يثبت منه إلا نفر قليل من المؤمنين
هذه هي المعركة التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى. جيش عدته اثنا عشر ألفا بين راجل وفارس، فأعجبتهم كثرتهم، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول، فردهم الله بالهزيمة في أول المعركة إليه، ثم نصرهم بالفلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصقت به.
والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية، وانفعالاتها الشعورية .. «إن أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرينه
فمن انفعال الإعجاب بالكثرة إلى زلزلة الهزيمة الروحية، إلى انفعال الضيق والحرج، حتى لكأنهم لشدة ما لحقهم من الخوف لم يعودوا يجدون في الأرض موضعا بصلح لفرارهم من عدوهم، وحتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشتد عليهم إلى حركة الهزيمة الحسية وثولية الأدبار والنكوص على الأعقاب والذي كان يرصد المعركة في تلك اللحظة ما كان يشك أبدا في أن الدائرة على المسلمين، وأن الهزيمة واقعة بهم لا محالة لقد تبدد جيش المسلمين، وتناثرت جموعهم، وذهبت ريحهم، وما كان لقوة في الأرض أن تجمع هذا الكيان الممزق، وأن تبعث فيه الحياة والقوة من جديد .. ولكن امداد السماء ونفحات الحق جاءت في وقتها فأحالت الهزيمة نصرا حاسما، وكانت تلك النقعات وذلك الأعداد يتمثل في أمور ثلاثة
)) فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة.