2)وانزل جنودا لم تروها، وهم الملائكة واختلفوا: هل قاتلوا ذلك اليوم؟ قبل: قاتلوا وقيل: أن الملائكة ما فائلوا إلا يوم بدر، وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو القاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين .. عن سعيد بن المسيب قال: حدش رجل كان في المشركين دم
حنين، قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا: شاهت الوجود، ارجعوا، فرجعنا فركبوا أكتافت (41)
والحق في هذا أن يقال: إن الملائكة لم تقاتل لا يوم بدر ولا يوم حنين، وإنما نزلت حين نزلت لتثبيت قلوب المؤمنين والقاء الخواطر الحسنة في نفوسهم، والدليل على ذلك أسلوب القصر الوارد في الآيتين المقبلين على غزوة بدر: «وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله أن الله عزيز حكيم (4) وما جعله الله إلا بشري والتطمئن به فلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) كذلك يؤيده قوله تعالى: «ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضهم ببعض (*) ثم أننا لا نعلم ماهية الجنود وطبيعتها «وما بعلم جنود ربك إلا هو).
.وعذب الذين كفروا، بالقتل والأسر والسلب والهزيمة، وذلك والتعذيب، جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم، فباب المغفرة دائما مفتوح لمن بخطى ثم يتوب .. وهو استدعاء لمن خذلتهم عزائمهم وتخلى عنهم السداد والتوفيق، فمالوا إلى جانب الظالمين، فهؤلاء لا يزال الطريق إلى الله مفتوحا لهم، ومازالت مغفرة الله ورحمته تنتظرهم على أول الطريق آن هم راجعوا أنفسهم ونزعوا عما هم فيه من تردد وارتياب.
آن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله والاعتماد على فوة غير قوته، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية .. حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عنيدة .. أن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارية المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة .. وان الكثرة لتكون أحيانا سييا في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها التائهين في عمارها ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة، فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله انشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة.
لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة لا بالزيد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح وفي هذا يرى المسلمون ان القوة الله، وأن النصر والعزة للمؤمنين وأن البلاء والخزي على الكافرين، فمن أراد النصر والعزة لا مبتغى لهما ولا سبيل إليهما إلا بالإيمان ومع المؤمنين ومن رغب عن الإيمان وأثر عليه الأهل والمال فلن بلقى إلا الذل والهوان
بقى في نهاية الآية وقفة لابد منها مع كلمة تم، وهو حرف عطف للترتيب والتراخي وقد جاء مكررا ثلاث مرات في الحديث عن يوم حنين هكذا: «ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته» ، «ثم يتوب الله ..