والعطف به ثم، هنا في هذه المواضع الثلاثة أفاد أمرين: أولهما: الترتيب الزمني في وقوع هذه الأحدات، فقد وقع المسلمون أولا في اضطراب وذعر، والتمسوا الخلاص مما هم فيه من بلاء، ولم يكن ذلك بالميمور لهم، ثم كان الفرار وتولية الأدبار هما طريق النجاة ثم كان من الله سكينة وجنود لم يرها المؤمنون، ثم كان من الله توبة ومغفرة من فر منهم وولى المشركين دبره في القتال.
وثانيهما: التغابر بين وجوه هذ الأحداث المتعاطفة بحيث يبدو أن عنصر الزمن لابد أن يكون عاملا هنا في تحريك الأحداث حتى تتغير وتبليغ الصورة التي كانت عليها والذي ينظر إلى الموقة. موقعة حنين. من الظاهر بجد أنها كانت حدثا واحدا متلاحم النسج وأن ليس هناك أي فاصل زمني يفصل بين مجريات الأمور في هذا الحدث فهي معركة واحدة احتواها زمن واحد لم يجاوز غدوة يوم
ولكن الذي ينظر إلى المعركة نظرة أعمق وأرحب بجد أنها لم تكن معركة واحدة، وإنما هي معارك متصلة، بدأت بمعركة هزم فيها المسلمون ثم انتهت بمعركة كتب الله لهم فيها النصر .. فالمعركة الأولى لها حسابها وتقديرها وحكمها وهي الهزيمة المطلقة للمسلمين، وقد أحاط بهم العدو وأوفع في صفوفهم الفوضى والاضطراب، الأمر الذي يسلم إلى الهزيمة التي لا مفر منها
ومع هذا فإنه ما كان للمسلمين أن يفروا بأي حال كانوا عليه، وعلي أي تقدير بقدرون النتائج المعركة .. فلتكن الهزيمة واقعة بهم، ولكن الذي كان يجب ألا يكون منهم هو الفرار .. فهذا أمر لا يصح أن يقع من المسلمين في ميدان القتال، والله تعالى يقول: «إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوا الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره الا منعرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فد با، بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصيراها فأي مسلم هذا الذي تحدثه نفسه بالفرار من المعركة، وهو يعلم حكم الله فيمن يقر ويولي العدو دبرهة
ولكن الذي حدث هو أن المسلمين فروا وولوا الأديار، ومن هنا كان هذا الأمر منهم حدثا غريبا ما كان ينبغي أن يكون في ميدان القتال .. وهذا هو بعض السر في عطفه بثم، على الحدث الذي قبله وهو الضيق والكرب الذي ركب المسلمين في أول القتال.
وفي هذا ما يشعر بأن هذا الحدث. حدث القرار - وان كان قد وقع في ميدان القتال هو حدث مستقل بنفسه منقطع الصلة بما قبله غير مترتب عليه، وعطفه على ما قبله هو من عطف حدث على حدث أو قصة على قصة أو حال على حاله
أما عطف قوله تعالى: «ثم أنزل الله سكينته، فهو كذلك عطف حال على حال أو قصة على قصة وهذا ما يشعر بأن الحدث الأول وهو القرار والهزيمة أمر قد وقع وسوي حسابه ثم بدأ أمر آخر له حسابه الخاص به، وهو الممثل في تلك المعركة الجديدة التي تدخل فيها المسلمون القتال مع العدو بنفوس جديدة ومشاعر جديدة، بل قل وبأشخاص غير الأشخاص ومقاتلين غير المقاتلين إذ أنزل الله سكينته عليهم، ونزع ما كان قد استولى على قلوبهم من خوف وهلع،