فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 778

وأمدهم بجنود من عنده كان ردها لهم وتثبيتا لقلوبهم، فكان لهم النصر والظفر وأما علف قوله تعالى: ولم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء، فكان من عطف حال على حال وقصة على قصة وشأن على شأن، وأن الصلة التي بينه وبين ما قبله ليست صلة سبب ومسبب أو علة ومعلول ذلك أن ما كان يتوفاه المسلمون بعد فرارهم وتوليتهم الأدبار هو وقوع غضب الله عليهم في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، ولكن الذي حدث كان غير هذا، وقد عاد الله يفضله واحسانه عليم، وجاءهم برحمته ومغفرته، وتقبل توبة التائبين مدن م ا

وقد جاءت رحمة الله ومغفرته إلى الذين فروا وولوا الأدبار في هذه الصورة المتراخية .. وفي هذا ما يشعر بأن منفرة الله ورحمته ما كانت لتنال هؤلاء الفارين أبدا، وأنها إذ نالتهم في تلك المرة فإنها قد لا تتالهم بعدها، لأن الحكم المسلط على التمارين الذين يولون الأدبار في ميدان القتال هو الحكم المحكم الذي لا برد، وأن هذا الذي أصاب المسلمين الفارين من مغفرة ورحمة في هذا اليوم هو استثناء من أصل ليس من الحتم أن يقع في كل حال تشبهه (2)

الكلمة الأخيرة في المشركين وعندما بلغ السياق إلى هذا المقطع، ويلمس وجدان المسلمين بالذكرى القريبة من التاريخ، ينهي القول في شأن المشركين، ويلقي الكلمة الباقية فيهم إلى يوم الدين .. «يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس (2) فلا بقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وأن خفتم عيلة (94) فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء أن الله عليم حكيم» :

تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله عنه أذ أمره على الحج سنة تسع أن يبلغ الناس أنه لا يحج بعد ذلك العام مشرك، ثم أمر عليا أن يتبع أبا بكر فيقرأ على الناس أوائل سورة براءة، يوم الحج الأكبر وأن ينادي بأن لا يعج بعد ذلك العام مشرك .. وقد كانت هذه الآية من الآيات الأربعين التي أمر على بالنداء بها، وهي أبلغ من منع المشركين من الحج.

حكم القرآن على المشركين يفساد كيانهم الداخلي، وأنهم يشركون بالله قد أفسدوا طبيعتهم كما يقع ذلك في الأمور المادية، حيث يختلط الخبيث بالطيب فيفسده، ولهذا نهى الله المؤمنين عن نكاح المشركات وانكاح المشركين، كما نهى عن تناول المسلمين من طعامهم. >

والتعبير القرأني بجسم نجاسة أرواحهم فيجعلها ماهيتهم وكيانهم .. فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس، يستقذره الحس ويتطهر منه المتطهرون، وهو النجم المعنوي لا الحي في الحقيقة فأجسامهم ليست نجسة بذاتها، بل هي نجاسة الاعتقاد وقذارة التصور وفساد الطبائع .. إنما هي طريقة التعبير القرآنية بالتجسيم.

ومن المعلوم القطعى لكل مطلع على السيرة النبوية وتاريخ ظهور الإسلام بالضرورة أن المسلمين كانوا بعاشرون المشركين ويخالطونهم، ولاسيما بعد صلح الحديبية، إذ امتع اضطهاد المشركين وتعذيبهم لمن لا عصبية له ولا جوار يمنعه منهم، وكانت رسلهم ووفودهم ترد على النبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت