فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 778

صلى الله عليه وسلم ويدخلون مسجده، وكذلك أهل الكتاب كنصاري نجران واليهود، ولم يعامل أحد أحدا منهم معاملة الأنجاس، ولم يأمر بغسل شيء مما أصابته أبدانهم بل روى عنه ما يدل على خلاف ذلك من الأحاديث الصحيحة منها: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزاده مشركة وأكل من طعام اليهود، وريط ثمامة أبن اثال الحنفي وهو مشرك بسارية من سواري المسجد ومنها اطعامه هو وأصحابه للوفد من الكفار ولم يأمر صلى الله عليه وسلم بغسل الأواني التي كانوا يأكلون ويشربون فيها، وروى أحمد وأبو داود من حديث جابر بن عبد الله: قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب من آنية المشركين واسقيتهم هنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا.

والمسجد الحرام معلم من معالم الهدى، ومنارة من منارات الحق، فهو بهذا كائن طيب ظاهره وباطنه، ومورد عذب يستقي منه المؤمنون، ويروون ظمأهم الروحي من جوه الطيور ومن هنا كان على المسلمين حراسته من أن يلم به خبيث فيفسده عليهم ويعكر موارده».

والمشركون نجس، وإلمامهم بالمسجد الحرام تقدير له وافساد طبيعته، ولهذا أمر الله المسلمين بأن بحولوا بين المشركين وبينه .. نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وهو العام التاسع من الهجرة الذي أعلم الله المشركين فيه بأنه بريء منهم، وأن رسوله بري منهم، وان المسلمين موالاة ولرسوله بريئون منهم .. وتلك غاية في تحريمهم وجودهم بالمسجد الحرام، حتى لينصب النهي على مجرد القرب منه .. ويعلل ذلك بأنهم نجس وهو الطهور

ولكن الموسم الاقتصادي الذي ينتظره أهل مكة، والتجارة التي يعيش عليها معظم الأثرياء في الجزيرة، ورحلة الشتاء والصيف التي تكاد تقوم عليها الحياة .. إنها كلها ستتعرض للضياع بمنع المشركين من الحج، وبإعلان الجهاد العام على المشركين كافة .. نعم ولكنها العقيدة، والله بريد ان تخلص القلوب كلها للعقيدة وبعد ذلك في الله هو المتكفل بان الرزق من وراء الأسباب المعهودة المألوفة .. وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء

وحين يشاء الله يستبدل أسبابا بأسباب، وحين يشاء يغلق بابا ويفتح الأبواب .. فالأرزاق بيد الله وبيد سبحانه مبسوطة بالعطاء، وفضله واسع عميم فليستقم المسلمون على أمر الله وليبتغوا بذلك مرضاته وهو سبحانه الذي يتكفل بأرزاقهم، وبإعطائهم الجزيل من فضله

والفني من فضل الله أعم ما ورد في الروايات معينا ومبهما، فقد أغنى الله المؤمنين من العرب السابقين إلى الإسلام ثم من سائر المسلمين جميع أنواع الغنى .. ففتح لهم سهل الملك والملك وسط لهم في الرزق من عمارة وتجارة وزراعة وصناعة. وكان نصيب مكة نفسها من ذلك عظيما بكثرة الحاج وأمن طرق التجارة

وقيد هذا الفني بقوله: فسوف يغنيكم الله من فضله. للدلالة على أن هذا الوعد إنما يكون أكثره في المستقبل لافي الحال وعلى أنه واسع بسعة فضله تعالى، وغيب لا يخطر لهم أكثره ببال، وقد صدق وعده به، فكان من معجزات القرآن. وقيده بمشيئته التي لا يشك في حصول كل ما تتعلق به وان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لتقوية إيمانهم ونوط آمالهم واتكالهم عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت