صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته قال: مرلي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء).
إن هذا الأعرابي لا يعجبه المنطق الدقيق، ولا الطبع الرقيق قدر ما بعجبه من عطاء بملا جيوبه ويسكن مطامعه،، ومن هذا قال صفوان بن أمية: مازال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلى حتى ما خلق الله شيئا أحب إلى منه (.
حكمة هذا التقسيم: وهذه السياسة البعيدة لم تفهم أول الأمر، بل أطلقت ألسنة شني بالاعتراض، فهناك مؤمنون ظنوا هذا الحرمان ضربا من الأعراض عنهم والإهمال لأمرهم.
روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه قال: إني أعطى قوما أخاف هلعهم وجزعهم وكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغني منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم، فكانت هذه التزكية تطبيبا لخاطر الرجل، أرجح لديه من أثمن الأموال!!
وكان الأنصار ممن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة، لقد حرموا جميعا أعطية حنين وهم الذين نودوا وقت الشدة، فطاروا يقاتلون مع رسول الله عليه وسلم، حتى تبدل الفرار انتصارا وها هم أولاء يرون أيدي الفارين تعود ملاي .. أما هم فلم يمنحوا شيئا قط.
فكان لذلك وسواس في كثير من الصدور وهمس على الشفاه، ولقد قال قائلهم حين أعطي رسول الله ما أعطى للمؤلفة قلوبهم: القي والله رسول الله صلي الله عليه وسلم قومه!! >
ولم تكن هذه القولة من بعض الأنصار شكا في دين الله ولا اتهاما لرسول الله ولكنها كانت اشفاقا من أن يكون تحولا لمركز الدعوة الإسلامي من المدينة إلى مكة، وعودة برسول الله إلى بلده الذي أخرج منه، حيث كان المؤلفة قلوبهم جمبعا من مكة وما حولها .. هذا هو الشعور الذي كان مستوليا على الأنصار في مجموعهم، وإن كان قد حمل عند بعضهم ممن نافقوا في الإسلام كعبد الله بن أبي بن سلول على غير هذا المحمل، فكان اتهاما صريحا للرسول صلى الله عليه وسلم بتعصبه لقومه وميله إليهم، وأبثارهم على الأنصار بعد أن دخلوا في دين الله وآمنوا برسول الله، وبعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا، ولم يعد الأنصار وحدهم هم حماة هذا الدين وأنصاره كما يبدو ذلك في ظاهر الحال .. ولذلك فقد دعا رسول الله صلي الله عليه وسلم الأنصار إليه وجمعهم حوله، واستخلصهم من بين المسلمين جميعا في اجتماع
خاص بهم عن أنس .. قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي صلى الله عليه وسلم بعطي رجالا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعطى فريشا ويتركنا، وسيوفنا تقتر من دمائهم (قال أنس) فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من آدم، ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما حديث بلغني عنكم؟) فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما نام منا حديثه أسنانهم