وهكذا فرت عيون الأنصار، وامتلأت قلوبهم سكينة وأمنا، إذ عرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يخلي مكانه من بينهم ولن يحرمهم هذا الخبر الذي سافه الله إليهم وانهم هم أهل الرسول وانصاره، وان بلدهم هو بلده وموطنه، وحسبهم هذا، ولساعة من رسول الله بينهم خبر لهم من الدنيا وما فيها، وهكذا كان بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفا، لما في الصدور وجلاء للبصائر، فسكنت الوساوس، وقرت العيون، ولهجت الألسن بالحمد لله رب العالمين.
وهذا البيان الذي كشف به الرسول صلى الله عليه وسلم ما خفي على الناس أمره هو مصداق لقوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى بيين لهم ما يتقون(39)
فإن من رحمة الله بعباده المؤمنين إذا طاف بهم طائف من الريب جابهم بها بكشف الطريق الهم إليه، ويرفع عن بصائرهم ما تغشاه من ريب.
والأنصار. في تاريخ الدعوات. مثل فريدة للرجال الذين تقوم بهم الرسالات العظمي حتي إذا استمرت على سوقها، وتجاوزت أيام معفتها ومؤنتها، وتدلت ثمارها وحلا جناها، جاءت أيد غير أيديهم فقطت ما تشتهي، ولم تكتف بذلك بل الطمث أبدى الفارسين، حتي لا تلتقط من الثمار الساقطة قليلا ولا كثيرا .. ولا نقول ذلك تعليقا على توزيع الغنائم في هذا المقام فقد اتضح وجه الرشد في هذه القمة الحصيفة، ولكننا نذكر في مناقب الأنصار، وافتراض ترفعهم عن الدنيا في سبيل الدين وتأليف الناس عليه .. أن شئون الحكم ابتعدت عنهم، واجتازها غيرهم، وهم لها أكفاء، فلم تمض ثلاثون سنة حتى كانت في ابدى الطلقاء
ولا ريب في أن أولئك المتجردين لله سوف يلقون جزاءهم الأوفى وأن شأن الدنيا انزل فدرا من أن يأسي عليه رجل العقيدة .. غير أننا نتساءل: أكان من مصلحة الرسالات نفسها أن تقع هذه الأثرة؟ أم كان من سوء حظ الإسلام أن يلقي هذا اللون من الحكام، فيقصي أصحاب السبق وأولوا النصرة، ويملك زمام الدين آخر الناس دخولا فيه وبصرا به؟ (2)
عودة رفد هوازن
وبينما هم في الجرانة، وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم سيبهم وثروتهم، وقال أحدهم: إن ما في الحظائر عمائك وخالاتك وحواضنك اللواتي كن بكن انك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شعرا وللنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين). >
ولم بخطى، هؤلاء في تذكير الرسول صلى الله عليه وسلم وصمته بهم وقرابته منهم فقد كان بين السبايا أخت له في الرضاعة، تخطت الكهولة عنف عليها الجند المسلمون فقالت لهم: تعلموا والله اني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها، وجاءوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: يا رسول الله، إني أختك من الرضاعة، وقال وما علامة ذلك؟ قالت: عطية عطشتنيها في ظهري وانا منوركتك، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة (4) وعرفها فإذا هي الشيماء بنت الحارث بن عبد العزي، فبسط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه وأجلسها عليه وخيرها إن أحبت أبقاها، وإن أحبت، متعها ورجعها إلى قومها فاختارت الرجوع إلى قومها.