المخلخلة .. هذه الظواهر والأعراض التي تحدثت عنها سورة التوبة، والتي اقتضت تلك الحملات الطويلة المفصلة المنوعة الأساليب التي أشرنا إليها في المقتطفات الممثلة لكل مقاطع السورة.
ونستطيع أن نستطرد هنا لنتابع خطوات الواقع التاريخي للمجتمع المسلم بعد عامين ابن من الفتح، عندما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قارتدت الجزيرة العربية كلها، ولم يثبت إلا مجتمع المدينة. القاعدة الصلبة الخالصة. فهذه الظاهرة يسهل الآن تفسيرها .. إن عامين اثنين من الفتح لم يكونا كافيين لاستقرار حقيقة الإسلام في نفوس هذه الأفواج الكثيرة التي دخلت في دين الله بعد الفتح بمستوياتها الإيمانية المخلخلة .. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت الجزيرة المخلخلة وثيقت القاعدة الصلبة، واستطاعت هذه القاعدة بصلابنها وخلوصها وتناسقها أن تقف في وجه التيار، وأن ترده عن مجراه الجارف، وأن تحوله إلى الإسلام مرة أخرى ..
إن رؤية هذه الحقيقة. على هذا النحو. كفيلة بأن ترينا تدبير الله الحكيم في المحنة الطويلة التي تعرضت لها الدعوة في مكة. في أول الأمر. وحكمته في تسليط المشركين الطواغيت على الفئة المسلمة يؤذونها ويفتنونها عن دينها، ويهدرون دماءها ويفعلون بها الأفاعيل؛
لقد كان الله سبحانه يعلم أن هذا هو المنهج القويم التربية الحماية الأولى، وتكوين القاعدة الصلبة لهذه العقيدة، وأنه بدون المحنة الطويلة لا تصلب الأعواد ولا تثبت للضغوط، وأن هذه الدرجة من الصلابة والخلوص والتجرد والإصرار والمضي في سبيل الله على الأذى والعذاب والقتل والتنكيل والتشريد والتجويع، وقلة العدد وانعدام النصير الأرضي .. إن هذه الدرجة هي وحدها التي تصلح للقاعدة الأصيلة الثابتة عند نقطة الانطلاقة الأولى .. إن هذه القاعدة الصلبة من المهاجرين الأوائل هي التي انضم إليها السابقون من الأنصار ليكونوا القاعدة في المدينة. قبل پدر. وليكونوا هم الحراس الأقوياء الأشياء في فترة التغلغل التي أعقبت النصر في بدر، بالتوسع الأفقي الذي جاء بأعداد جديدة لم تنضج بعد ولم تتناسق مع القاعدة في مستواها الإيماني والتنظيمي
وأخيرا فإن القاعدة الصلبة التي اتسعت أبعادها قبيل الفتح، حتى صارت تتمثل في المجتمع المدني بجملته، هي التي درست الإسلام وصانته من الهزات بعد الفتح، ثم من الهزة الكبرى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتداد الجزيرة عن الإسلام
أن هذه الحقيقة. كما أنها ترينا تدبير الله الحكيم في المحنة الطويلة التي تعرضت لها الدعوة في مكة، وفي الأموال والمشاق والأخطار التي تعرض لها المجتمع المسلم في المدينة حتى الحديبية. هي كذلك تكشف لنا عن طبيعة المنهج الحركي للدعوة الإسلامية المتجددة في أي زمان وفي أي مكان.
إنه ابتداء يجب توجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخاص، الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها، والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابة وقوة