فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 778

الحكمة التي كان لأجلها التشريع والتي تدفع والناس إلى المسارعة في التنفيذ والامتثال وجريا على هذه السنة، سنة تعليل الأحكام وتوجيه التشريع بالأسباب والمعاني التي تستوجبه. أردف الله التشريع الذي تضمنته الآيات الست السابقة بيان حكمنه في الآيات من 7 إلى 16. وبالنظر في مجموع هذه الآيات العشر تتضع الحكمة في تقرير نبذ عهود المشركين، وعدم التعاهد منهم أصلا، وتقرير الأمر بقتالهم حتى تطهر شبه الجزيرة من الشرك، ويصير بيت الله الحرام في مأمن من ولاية المشركين عليه أو دخولهم فيه بعباداتهم الضالة التي تفسد على المؤمنين إيمانهم، ولا يمكن أن تجتمع مع عبادة المؤمنين الصادقين الله في بيت الله .. وفي تعليل الأمر بنبذ العهود جاءت الآية السابعة

كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، إلى نهاية الآية العاشرة «وأولئك هم المعتدونه وفي تعليل الأمر بالقتال جاءت الآيات إلى نهاية الآية السادسة عشرة.

رابعا: استدل بعضهم بأية فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، على كفر كل من تارك الصلاة ومانع الزكاة، ذلك بأنه تعالي اشترط فيها لنحقق أخوة الإيمان والدخول في جماعته ثلاثة أشياء: التوبة من الكفر وإقامة الصلاة وابناء الزكاة، فانتفاء أحد هذه الثلاثة يقتضى انتفاء ما جعلت شرطا له وهو الإسلام، ونقص بعضهم من هذا بادعاء أن العبارة إنما تدل على حصول الإسلام بحصول هذه الثلاثة فقط، دون انتفائه بانتفائها، فهذا يحتاج إلى دليل خارجي، وأرجع ذلك إلى ما زعمه من أن التعليق بكلمة (أن) إنما يدل على استلزام المعلق للمعلق عليه حصولا لا انتفاء، فهو لا يقتضي انعدامه بانعدامه، لجواز أن يكون المعلق لازما أعم فيتحقق بدون ما جعل ملزوما له.

وهذا من الجدليات اللفظية الباطلة، فليس في المقام إلا مسألة الاحتجاج بمفهوم الشرط وهو من ضروريات اللغة، كما سبق في هذه المسألة نفسها عند الاستنباط من الآية الخامسة

وما أوردوا على اطراده من بعض النصوص التي لا يظهر فيها القول بالمفهوم، فمنه ما سبب ضعف الفهم، ومنه ما له سبب خارج عن مدلول اللغة، فمن ذلك قوله تعالى: (ولا تكرهوا فنياتكم على البغاء إن أردن تحصنا"بناء على أن مفهومه عدم النهي عن اکراهن إن لم يردن التحسن، وهو غفلة ظاهرة عن كون الإكراه إنما بتحقق عند إرادة التحصين ولا بعقل عندها عدمها، وهو بذل العرض وبيع البضع، ومنه قوله تعالى: (أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما استشكل الأشاعرة القول بمفهومه على مذهبهم وما هو بمشكل إلا من حيث يكون حجة لخصومهم المعتزلة على عدم مغفرة الكبائر، ومازال المتعصبون للمذاهب يبنون على اللغة وعلى نصوص التنزيل لإبطال حجج خصومهم، على أن المعلق على اجتناب الكبائر هنا أخص من المغفرة وهو أمران: تکفير السيئات والمدخل الكريم، وأين هذا وذاك مما نحن فيه من اشتراط شروط للانتقال من أمر إلى ضده المساوى لنقيضه، أي من الكفر إلى الإيمان؟"

هل يعقل أن بقال إن الإيمان يحصل بحصول شروطه وإقامة أعظم أركانه ولا بنتفي بانتفائها؟ الا أنه لا بعقل في حال النظر إلى الحقيقة نفسها وهي ظاهرة لا حجاب عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت