سادسا: قوله تعالى: (ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم) الآية الخامسة عشرة تدل على أن مشيئته تعالى في التائبين والمصرين تجرى بمقتضى علم المحيط بشئون خلفه وحكمته البالغة في السنن التي وضعها لسير الاجتماع البشري، وفي الأحكام التي شرعها الهداية الناس.
ومن سننه تعالي تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابلية التحول من حال إلى حال، كدرجات تاثير الشرك في أنفس الأفراد من قوة يترتب عليها الإصرار إلى الممات وضعف قابل للزوال في بعض الأوقات، بما يطرأ على أصحابه من الأسباب والمؤثرات وليست مشيئته تعالى في التوبة على من يتوب عليه منهم إكراها لهم على الإيمان، كما بزعمه الجبرية ولا من الخلق الأنف الذي تزعمه القدرية، بل هو بحسب المقادير الإلهية الثابتة بأيات التنزيل ونظام الاجتماع، فلو كان بالجهر والاكراه لما كان لهم فيه أختيار بستحقون به دخول الجنة والنجاة من النار، ولو كان بالخلق المستأنف لكان من قبيل المحاباة في التفضيل الإلهي المحض البعضهم على بعض، وذلك بنافي العدل والحكمة، وحاشا لله من ذلك.
ما كان لله أن يحابي أعدى أعداء رسوله وأبغضهم إليه صلى الله عليه وسلم، كوحشي قاتل حمزة أخيه في الرضاعة وعمه، وأبي سفيان المحرض الأكبر للعرب على قتاله، وعكرمة بن أبي جهل فرعون هذه الأمة، فيخلق لهم الإيمان ويجبرهم عليه، من حيث بحرم منه أباطالب عمه وناصره بعصبة النسب وهو أحبهم إليه.
وقد استدل المجبرة، ومنهم جمهور الأشعرية. بهذه الآية على الجبر ونفي الاختبار فيما هو أظهر مما ذكر، وهو اخباره تعالى بأنه هو الذي يعذب المشركين فيقتل بعضهم ويجرح أخرين بابدى المؤمنين، فاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، فهذا بدل. بزعمهم. على أن أبديهم کسيوفهم ورماحهم ليست إلا آلات لا تأثير لها البتة، وأن الكسب الذي هو مناط التكلف اسم لا مسمي له، ودلالة هذه الجملة عندهم أقوى في المسألة من دلالة قوله تعالى: (وما رميت إذا رميت ولكن الله رمي"فإن في هذا إثباتا الإسناد الرمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة مباشرته لأخذ التراب من الأرض، والقائه على المشركين مع نفيه عنه، ثم اسناده إلى الله تعالى من جهة اثره وهو وصول التراب إلى وجوههم .. وأما هاهنا فقد أسند التعذيب إلى الله وحده، وأنه يفعله بأيدي المؤمنين وقد سبق في شرح الآية أن لهذا التعذيب معنى وراء القتل والجرح الذي هو كسب المؤمنين وعملهم، هو فعل الله وحده، على أن الحق فوق المذهبين، وأن أريد بالتعذيب القتل والجراح كما تعلم من قول كبيري نظارهم وما نقفي به عليه تأييدا للمأثور عن السلف."
أجاب الجبائي إمام المعتزلة عن الآية محتجا على المجبرة بأنه لو جاز أن يقال إنه تعالى بعذب الكافرين بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه بعذب المؤمنين بأيدى الكافرين، ولجاز أن يقال: إنه يكذب أنبياءه على السنة الكفار ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالي خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل التوسع، حيث إنه حصل بأمره وألطافه كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير أه ..