حكى عنه هذا الجواب الرازي في تفسيره للآية، وقال: إن أصحابه يجيبون عنه بما خلاصته: أنهم يلتزمون كل ما ألزمهم إياه اعتقادا، وإن كانوا لا ينطقون به أدبا مع الله تعالى، قال المنار: والرازي جبري فح، ولا يلتزم كل الأشاعرة ما يلتزمه وبسنده إليهم هذا البيضاوي من فحولهم، يفسر تعذيب المشركين بأيدي المؤمنين بتمكينهم منهم
والتحقيق .. أنه قد ثبت بالحس والوجدان وبالمئات من آيات القرآن، أن للناس أفعالا يأتونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم تسند إليهم ويشتق منها صفات لهم، ويستحقون الجزاء عليها في الدنيا والآخرة وأن الله تعالى الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدي هو الذي أعطاهم القدرة والإرادة والاختيار، كما أعطاهم الأعضاء والحواس، وهو الذي سخر اهم ما تتعلق به أعمالهم في معايشهم ومنافعهم، وهو بسند إليهم هذه الأعمال ويصفهم بها في مواضع كثيرة
في المقامات التي تقتضى هذا الإسناد أو الوصف ويسند بعضها إلى ذاته وإلى مشيئته ويصف نفسه بما يليق به وصفه منها في المقامات التي تقتضى ذلك.
سابعا: تدل أية مما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله
او على أن المشركين ممنوعون من عمارة أي مسجد من مساجد المسلمين، وعمارة المساجد قسمان: إما بلزومها وكثرة اتيانها، وإما بالعمارات المعروفة في البناء، أما على الأول فإنه بمنع من دخولها، إذ كيف يعبد غير الله أو يعبد الله وغيره ثم يغشي البيوت التي تتمحض فيها العبادة لله وحده، فإن دخل بغير اذن مسلم استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، ويدل على جواز دخول الكافر للمسجد بالإذن أن النبي صلى الله عليه وسلم شد ثمامة بن اثال إلى سارية من سواري المسجد النبوي وهو كافر، والأولى تعظيم المساجد ومنعهم منها، وما فعل في أيام النبي قال النيسابوري، محمول على تعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم كانه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد (3)
وأما على الثاني فإنه ليس للكافر أن يقدم على حرمة المساجد، ولو أوصى بها لم تقبل وصينه، وإنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظما والكافر بهينه ولا يعظمه وأيضا الكافر نجس في الحكم لقوله تعالى: «إنما المشركون نجس، وتطهير المساجد واجب لقوله تعالي: «ان طهرا بيتي للطائفين، وأيضا الكافر لا يحترز من النجاسات فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين وأيضا إقدامه على حرمة المسجد يجري مجرى الأنعام على المسلمين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب منة على
المسلمين
وقد قيل: إنه لا يجوز للمسلمين أن يستخدموا الكفار في بناء المساجد، لأنه من العمارة الحسية الممنوعة، وفيه نظر، لأن الممنوع انما هو الولاية عليها، والاستقلال بالقيام بمصالحها كان بكون ناظر المسجد وأوفافه كافرا، واما استخدام المسلمين للكافر في عمل لا ولاية فبه كنحت الحجارة والبناء والنجارة فلا يظهر دخوله في المنع ولا فيما ذكر من نفي الشأن في قوله وما كان للمشركين، فإن نفي الشأن دليل على التشريع في هذه المسألة، وكونه حقا مبينا على أساس ثابت في فطرة البشر، وليس تشريعا لها، والدلالة فيه عقلية علمية.