ثم انهم نقضوا شريعة التوراة من بعده وأخذوا بتعاليم بولس وهو فيلسوف يهودي تنصر بعد المسيح وقبل تنصره الحواريون الذين يسمونهم «الرسل، بشفاعة برنابا، لأنه كان عدوا لهم، مع أنهم ينقلون من المسيح أنه قال: (ما جنت لانقض الناموس(7) وانما جئت لأتمم) مني وهذا موافق لما حكاه الله تعالى عنه بقوله: (ومصدقا لما بين يد من التوراه ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون، أن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم)
ولم يكتف النصارى بهذا بل وضع لهم أحبار رومية وغيرهم من أساقفتهم ورهبانهم شرائع كثيرة في العبادات، والحلال والحرام، يخالف فيها كل فريق منهم مذهب الآخر، قال تعالى عن أهل الملتين: (فبما نقضهم ميثاقهم لعنأهم وجعلنا قلوبهم قاسية بحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولانزال تطلع على خائنة منهم الا قليلا منهم فأعف عنهم واصفح أن الله يحق المحسنين، ومن الذين قالوا انا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف نبنهم الله بما كانوا بصنعون) .
وفي الآيتين من الحقائق التي كانت مجهولة ومن أخبار الغيب عن الماضي والمستقبل ما بعد من حجج القرآن على انه وحي من الله ليس للنبي الأمي صلى الله عليه وسلم منه الا تبلينه والعمل به .. فعلم من هذا أن كلا منهم نسي حظا عظيما مما ذكرهم به نبيهم، ولم بعملوا بالبعض الأخر كله، بل أكثر عباداتهم وما يسمي «الطقوس، والناموس الأدبي هو من وضع أحبارهم ورهبانهم .. وانما كان دين الحق عندهم ما جاءهم به موسى وعيسى عليهما السلام ولو أنهم حفظوه وأقاموه كما أنزل، أو دانوا بما حفظوا منه دون غيره لهداهم الى اتباع المصلح الأعظم الذي بعثه الله تعالي مكملا لدينه ولا تزال بشارات انبيائهم به محفوظة فيما بقى لهم من كتبهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم
الذين أوتوا الكتاب 10) المراد بالكتاب: جنس الكتاب الألهي الذي يشمل توراة موسى وأنجيل عيسي وزابور داود وغيرها، ولكن لقب (أهل الكتاب) و (الذين أتوا الكتاب وأن كان لفظه عاما، خص به اليهود والنصارى، لأنهم هم الذين كانوا مخالطين ومجاورين للأمة العربية ومعروفين عندهم كما قال تعالى مخاطبة مشركي العرب(أن تقولوا انما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم لغافلين) "(فقد جعل لقب المشركين خاصا بوشيى العرب ولقب أهل الكتاب خاصا باليهود والنصارى وان كان قد دخل عليهم الشرك."
والتاريخ يدل على أن الصابئين والمجوس كانوا أهل كتاب أما الصابئون فقد ذكروا مع المؤمنين واليهود والنصارى في آيتين من سورتى البقرة والمائدة (12) وأما المجوس فقد ذكروا مع أولئك كلهم في أية من سورة الحج (13) وجاءت السنة بمعاملتهم كأهل الكتاب في انهاء قتالهم بالجزية، فدل ذلك على أنهم كانوا أهل كتاب وان لم بعفظ منه ما يصحح اطلاق