وجوب اعطاء الجزية أحيط بقيلين
القيد الأول: لهم وهو أن تكون صادرة عن يد، أي قدرة وسمحة (14) فلا يظلمون وبرهقون قاله المنار (17) وفي الطبري: (عن بد) فإنه يعني: من يده إلى يد من بدفه اليه وكذلك تقول العرب لكل محط قاهرا له، شينا طائعا له أو کارها: أعطاه عن يد وعن يد وذلك نظير قولهم كلمته فما لهم ولقيته كفة لكفة، وكذلك أعطيته (عن بد ليد) (18) وقال صاحب الكشاف: قوله (عن بد) اما أن يراد به بد المعطي أريد الآخذ فأن كان المراد به المعطى ففيه وجهان أحدهمها أن يكون المراد عن يد مؤاتيه غير ممتنعة، لأن من أبي وامتنع لم بعط يده بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك يقال: أعطي يده إذا انقاد واطاع، ألا ترى إلى قولهم: نزع بده من الطاعة كما يقال: خلع وثقة الطاعة عن عنقه.
وثانيهما: أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد الى بد نقدا غير نسيئة ولا مبعوثا على يد أحد، بل على يد المعطى إلى يد الأخذ، وأما إذا كان المراد يد الآخذ ففيه أيضا وجهان .. الأول: أن يكون المراد حتي بعطوا الجزية عن يد قاهرة مسئولية للمسلمين عليهم، كما تقول البد في هذا لفلان، وثانيهما أن يكون المراد عن انعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم وترك ارواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم") وكلام المنار أقرب للسماحة."
القيد الثاني. لكم، وهو (وهم صاغرون) .. والصغار والصفر ضد الكبر، ويكون في الأمور الحسية، والمعنوية، والمراد به هنا
الخضوع لأحكام الإسلام وسيادته، وبذلك تصفر أنفسهم لديهم، وتعضد شوكتهم بفقدهم الملك وعجزهم عن مقاومة الحكم .. قال الشافعي رحمه الله في الأم: وسمعت عددا من أهل العلم يقولون .. الصغار أن يجرى عليهم حكم الإسلام (20) . ه
ومن المفسرين من قال في الآية اقوالا يأباها عدل الإسلام ورحمته، ومن ناحية أخرى فإن هذين القيدين بعطيان اشارة إلى علو يد المسلمين وتمكينهم من عدوهم بما لهم من بأس وقوة،، وهذا يعني أن يحتفظ المسلمون دائما بتلك القوة التي مكنت لهم، والا كان عليهم أن ينزلوا عن هذه المنزلة التي هم فيها، فأنهم أن لم ينزلوا عنها طائعين نزلوا عنها مكرهين .. بل ربما تحولت الحال فكانوا تحت يد من كانوا تحت يدهم، فالمراد باليد هنا القوة والقدرة التي يعلموا بها المسلمون. على غيرهم ..
والقوة التي يعتمد عليها المسلمون تقوم دعائمها أولا وقبل كل شيء على الإيمان بالله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فاذا حقق المسلمون حقيقة الإيمان في قلوبهم مكن الله لهم من أسباب العزة والقوة وملا أيديهم من خير الدنيا والآخرة جميعا واقامهم في هذه الدنيا مقاما كريما، وجعل كلمتهم العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى .. .
فليس المراد بقوله تعالي: وهم صاغرون تحريضا للمسلمين على امتهان أهل الذمة واذلالهم، بقدر ماهو تحريض للمسلمين على اكتساب القوة والاحتفاظ بها، حتى لا يكونوا يوما في هذا المنزل الذليل المهين، الذي ينزله المغلوب على أمره بها النازل على حكم غالبه .. >