فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 778

فهذا هو واقع الحياة، وتلك هي سنة الله في خلقه .. الغالب منعكم متسلط، والمغلوب منهور مهين .. واذا كان هناك من المياديه الخلقية أو المواضعات السياسية ما يخفف من هذا المبدأ العامل في الحياة، فإن سماحة الإسلام وإنسانية شريعته قد كان لهما في هذا الباب مالا بمكن أن يلحق بغباره القوانين الدولية أو المنظمات الإنسانية .. ذلك أن دعوة الإسلام إلى التسامح والرفق والاخاء دعوة مشدودة إلى ضمير الإنسان، موصولة بإيمانه بالله، بحيث لا يكمل ايمانه الا بها، أما ما تحمله القوانين الدولية وما تقادي به المنظمات الإنسانية فلا يعدو أن يكون مجرد نصائح ووصايا تخاطب أذن الإنسان دون أن تبلغ مواطن الادراك أو الوجدان منه ..

فالقوة التي يملك بها المسلمون مصائر الأمور في الناس فوة رحيمة عادلة. ومن الخبر للناس جميعا أن تنمو هذه القوة وأن يمتد سلطانهاء، وحيث كانت فهي بر ورحمة, فإذا صارت تلك القوة الى يد غير مؤمنة بالله ولا آخذة بشريعته كانت قوة ظالمة غشوما، تطلع على الناس كما نطلع العواصف العاتية لا تذر من شبي، أتت عليه الإجعلته كالرميم

لماذا لم يعاملوا كالمشركين؟ حقا أن أهل الكتاب بمنزلة المشركين في الشرك. وأن كانت طرق القول بالشرك مختلفة إذ لافرق بين من يعبد الصنم وبين من بعبد المسيح وغيره، لأنه لا معنى للشرك إلا أن بنخذ الإنسان مع الله معبودا، فإذا حصل هذا المعنى فقد حصل الشرك، بل أنا لو تأملنا لعلمنا أن کفر عابد الوثن أخف من كفر النصارى، لأن عابد الوثن لا يقول إن هذا الوثن خالق العالم وألهه بل بجرية مجرى الشيء الذي يتوسل به إلى طاعة الله، أما النصارى فانهم يثبتون الحلول والاتحاد وذلك شرك قبيح، فثبت أنه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين.

ومع أن أهل الكتاب هؤلاء قريبون كل القرب في عقائدهم وسلوكهم من المشركين - أو لافرق فإن الإسلام ظل يراعى أنهم أهل كتاب حتى بعد انحرافهم عن كتابهم، فلم يعاملهم معاملة المشركين الذين لا يقبل منهم الا الإسلام أو القتال، بل قرر أن يقبل منهم الجزية إذا لم يرغبوا في الإسلام، وأن يدع لهم حرية الاعتقاد، وأن يحميهم من كل اعتداء، استنادا إلى أنهم اهل كتاب من عند الله، وأنهم في الظاهر الصقوا أنفعهم بموسى وعيسى عليهم السلام وادعوا أنهم يعملون بالتوراة والانجيل، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المنظمين، وتعظيم كتابيهما وتعظيم اسلاف هؤلاء اليهود والنصارى، وحرمة أبائهم الذين انقرضوا بسبب أنهم كانوا على الدين الحق حكم الله تعالى بقبول الجزية منهم

ما الحكمة في فرض الجزية ولماذا كانت هذه هي الغاية التي نتمي عندها القتال

وهل هي تحمل معنى الطمع والجشع أو معنى الامتهان والاذلال؟ أن أهل الكتاب بصفاتهم تلك حرب على دين الله اعتقادا وسلوكا، كما أنهم حرب على المجتمع المسلم بحكم طبيعة التعارض والتصادم الذانيين بين منهج الله ومنهج الجاهلية الممثلة في عقيدة أهل الكتاب ووافعهم، وفق ما تصوره هذه الآيات كما أن الواقع التاريخي قد اثبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت