حقيقة التعارض وطبيعة التصادم، وعدم إمكان التعايش بين المنهجين، وذلك بوقوف أهل الكتاب في وجه دين الله فعلا، واعلان الحرب عليه وعلى أهله بلا هوادة، خلال الفترة السابقة لنزول هذه الآيات (وخلال الفترة اللاحقة لها إلى اليوم أيضا!)
والإسلام بوصفه دين الحق الوحيد القائم في الأرض لابد أن ينطلق لازالة العوائق المادية من وجهة، ولتحرير الإنسان من الدينونة لغير دين الحق على أن بدع لكل فرد حرية الاختيار بلا اکراه منه ولا من تلك العوائق المادية كذلك .. وأذن فان الوسيلة العملية لبيان ازالة العوائق المادية وعدم الاكراه على اعتناق الإسلام في الوقت نفسه هي کسر شوكة السلطات القائمة على دين غير الحق، وبذلك تستسلم، وتعلن أستسلامها بقبول اعطاء الجزية فعلا وعندئذ تتم عملية التحرير فعلا, بضمان الحرية لكل فرد أن يختار دين الحق عن اقتناع، فإن لم يقتنع بقى على عقيدته وأعطى الجزية لتحقيق عدة أهداف
أولها: أن بعلن باعطائها اقراره بسلطان الإسلام واعلانه الخضوع لقوته واستسلامه وعدم مقاومته بالقوة المادية، وعدم وقوفه في سبيل الدعوة إلى دين الله الحق.
وثانيها: أن يساهم في نفقات الدفاع عن نفسه وماله وعرضه وحرمانه التي يكفلها الإسلام لأهل الذمة والذين يؤدون الجزية ويصبحون في ذمة المسلمين وضمانتهم، ويدفع عنها من يريد الاعتداء عليها من الداخل أو الخارج بالمجاهدين من المسلمين.
وثالثها: المساهمة في بيت مال المسلمين الذي يضمن الكفالة والاعاشة لكل عاجز من العمل بما في ذلك أهل الذمة، بلا تفرقة بينهم وبين المسلمين دافعي الزكاة.
ورابعها: أن أخذ الجزية على هذا النحو. اثارة لدوافع الانسانية عند هؤلاء الذين يؤدونها ولتهريك الرغبة فيهم إلى الخلاص من هذا الوضع المشين، وذلك بمراجعة معندهم من جنة والنظر في وجه الدعوة التي يدعوهم الإسلام إليها من جهة أخرى .. وهذا أن فعلوه فأنه لابد أن يسحح عقيدتهم ويفتح عقولهم وقلوبهم للدين الحق ..
وبهذا التوجيه يفسر کعب شبهة ابن الراوندي فتهوى فلا تقوم أبدا وهي التي كان يطعن بها في القرأن ويقول .. أنه ذكر في تعظيم كفر النصارى قوله: «تكاد السموات بتفطرن منه وتنشق الأرض ونخر الجبال هدأ، أن دعوا للرحمن ولدا, (21) فبين أن اظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحد، ثم أنه لما أخذ منهم دينارا واحدا قررهم عليه وما منعهم منه ..
والجواب، مرة أخرى. أن الجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب. كما أن أخذها لم يكن شريا من الشحكم ولا نزعة من نزعات القهر والتسلط - ليس المقصود من أخذها تقريرهم على الكفر، يل المقصود منها حقن دمائهم وأموالهم، مع منحهم أوقاتا منسية رجاء أن يقفوا فيها على محاسن الإسلام وقوة دلائله فيستقلوا من الكفر إلى الإيمان
انها دعوة حكيمة من دعوات الإسلام إلى الإيمان بالله، وأسلوب من أساليبه المحكمة في فتح الأبصار المغلقة إلى النور، ولفت العقول الشاردة إلى الهدف، وايقاظ القلوب العافية الاستعمال آيات الله وكلماته. >