هاتان الآيتان (لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى أخر السورة، ومنها عن طريق أبي العالية عنه أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون، ويمل عليهم أبي بن کعب حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة:(ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم، بأنهم فوم لا يفقهون) فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال أبي بن کعب إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقراني بعد هذا أبتين (لقد جاءكم) ، إلى (رب العرش العظيم) ، قال: فختم الأمر بما فتع به: بلا إله إلا الله. وأها)
ه. وما بعارض هذا مما ورد في أسباب النزول لبعض الآيات يجاب عنه: بان اكثر ما روي في أسباب النزول كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا، أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في منام الاستدلال، وهذا يدل على نزولها وحدها، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه كما قلنا أنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة، وإن كان كل ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة
بقى بعد هذا أمران يتعلقان بهاتين الآيتين: أولهما ما ذكروه من أحاديث يفهم منها أن وضع هاتين الآيتين (لقد جاءكم رسول) إلخ في سورة التوبة كان يفعل بعض الصحابة وأنهما لو كاننا ثلاث آيات لجعلوهما سورة مستقلة، من ذلك ما أخرجه ابن إسحق وأحمد، وابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: أتي الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من أخر براءة (لقد جاءكم رسول) إلى قوله (وهو رب العرش العظيم) إلى عمر فقال: من معك على هذا؟ فقال: لا أدري والله، إلا أني أشهد تسميتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما وحفظنهما، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فالحقوهما بهار فألحقت في أخر براءة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال عمر: لا أسألك عليهما بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤهاء
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف أن خزيمة بن ثابت جاء عثمان حين تصدى لكتابة القرأن بعد مقتل عمر، فقال: إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، فقالوا ما هما: قال تلقيث من رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) إلى أخر السورة، فقال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: أختم بهما أخر ما نزلت من القرآن فختمت بهما براءة.
قال المنار بعد ذكر هذه الروايات: فيؤخذ من مجموع الروايات أن الآيتين كانتا محفوظنين مشهورتين، إلا أنهم اختلفوا في موضعهما: ففي بعضهما أنهما أخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضهما أنهما وضعنا بالرأي والاجتهاد، والمعتمد الأول قطعا لأن من حفظ التوقيف حجة على من لم يحفظ. والظاهر أن سبب الاختلاف في موضعهما أن موضعهما يدل على أنهما مكيتان ولم تصح لجماعة جامعي المصحف رواية بكتابتهما في إحدى السور المكية، ولكن وجدنا عند أبي خزيمة مكتوبتين في أخر براءة.