والحق الذي لا محيد عنه أنه ليس في مقدور أي صعابي، ولا من سلطنه أن يضع هاتين الآيتين ولا غيرهما في آية سورة براها برأيه وأجتهاده، كذلك ليس من سلطة أحد أن يجعل جملة آيات سورة مستقلة أو جزء سورة، فما نسب إلى عمر من قوله: لو كانتا ثلاث أيات الجملتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقوهما بها كلام مكذوب مفترى على ابن الخطاب رضي الله عنه، فلم يكن من الأعمال المخولة للصحابة تسوير السور، ولا ترتيب الآيات في مواضعها، حتى ولا كان ذلك من سلطة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من عمله باجتهاده ورأيه، إنما كان ذلك من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم توقيفا: أي منقولا عن الوحي، عن الله عز وجل،
قال السيوطي في الإتقان: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك .. أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته، وعبارته: ترتيب الآيات في سوره واقع بتوقيفه صلى الله الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين «أه، وأما النصوص فمنها ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن عثمان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ننزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فينول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)""
ومن ذلك بتبين أن وضع هاتين الآيتين في موضعهما من آخر سورة التوبة كان بعلمه حق العلم عمر وعثمان وخزيمة رضي الله عنهم وغيرهم، ولم يكن ذلك موضع استغراب من أحد وأن عمر رضي الله عنه لم يقل ولم يهم ولم يفكر. ولن يقدر إن أراد أن يجعلهما سورة على
حدة لو كائنا ثلاث أيات، أو أن يبحث لهما عن سورة يجعلهما جزءا منها وأن مثل هذه الأحاديث لا تصح، ولا يصح نقلها إلا لدفعها، وينبغي ألا يلتفت إليها ولا بتمد عليها، لاسيما إذا كانت تشكك في أصل الدين ومنبع الإسلام، ولاسيما إذا كان الإجماع يدفعها، والنصوص المترادفة تمنعها
والأمر الثاني. شبهة أوردوها، قالوا: كيف يكون القرآن متواترا مع ما بروي عن زيد بن ثابت أنه قال في الجمع على عهد أبي بكر ما نصه: (فقمت فتتبعت القرآن أجمله من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدهما مع غيره، وهما(لقد جاءكم رسول) إلى آخر السورة. (2)
والجواب على هذه الشبهة:
أولا: إن كلام زيد بن ثابت هذا لا يبطل التواتر .. وبيان ذلك أن الآيتين لم تثبت قرآنيتهما بقول أبي خزيمة وحده بل ثبت بأخبار كثرة غامرة من الصحابة عن حفظهم في صدورهم وإن لم يكونوا كتبوه في أوراقهم، ومعنى قول زيد: (حني وجدت من سورة التوبة آيتين لم أجدهما عند غيره) أنه لم يجد الآيتين مكتوبتين عند أحد إلا عند أبي خزيمة، فالذي انفرد به أبو خزيمة هو كتابتهما، وهذا لا ينافي أنهما كانتا محفوظتين لكثير من الصحابة، وليست الكتابة شرطا في المتواتر، بل المشروط فيه أن بروبه جمع کثير يؤمن تواطؤهم على الكذب، ولو لم