والجزية وان كانت في أصلها علاقة خضوع غير المسلمين للسلطان الإسلامي، فأنها في نفس الوقت مقابل الحماية والدفاع وضمان الحرية وحسن المعاملة
وليس فيما فعله عمر رضي الله عنه وتابعه فيه الخلفاء من بعده خروج عن السنة النبوية بل هو من نطاق هديها الذي نبهنا عليه قبل وهو أخذ الجزية بمقدار يخضع للظروف والامكانيات، وفيه صورة من صور فهم کنار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للهدي النبوي يصح ترسيها .. والمتبادر أن هذا الهدي هو الذي يظل ضابطا للجزية أكثر من التعيين والتحديد،، وليس ما يمنع والحالة هذه أن يأخذ المسلمون الجزية جملة سنوبية من قوم هم بتوزعونها فيما بينهم حسبما يرون نقدا أو سلعة مصنوعة أو غلة
المراد بالصغار في الآية: ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم جملة (عن يد وهم صاغرون) .. من ذلك أنها تعني دفع الجزية نقدا ووجاها مع اظهار الخشوع والتذلل، ومن ذلك أنها تعبير لفظى عن حال الصغار التي يتلبس بها المعطى .. وانگر كثيرون أن يكون فيها تسويغ لإهانة المعطى وتعذيبه وصفعه وتلبيبة حين الدفع كما بذهب إليه بعضهم .. وهناك أحاديث تدعم هذا الإنكار رواها الإمام أبو عبيد في كتاب الأموال منها: (إن عياض بن غنم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي تبطا بعذبون في الجزية فقال للجابي: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن الله تبارك وتعالى يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا) (47) ومنها (أن عمر أتي بمال كثير من الجزية فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس، فقالوا لا والله ما أخذنا الا عفوا صفوا، فقال: بلا سوط ولا نوط، قالوا نعم فقال: الحمد الله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني ) ) ومنها (أن عمر مر على قوم أقيموا في الشمس وهو راجع من الشام، فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا: عليهم الجزية لم يؤدوها فهم بعذبون حتى بؤدوها فقال عمر فماذا يقولون؟ قالوا: يقولون لا نجد، فقال: دعوهم ولا تكلفوهم مالا بطبقون فأني سميث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(لا تذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة) . وأمر بهم فخلى سبيلهم. (49)
ولقد قال الإمام أبويوسف في كتاب الخراج: (إنه لا يجوز ضربهم في استبدانهم الجزية ولا يوقع عليهم في ابد انهم شييء من المكاره والصفع والتلبيب والاهانة من التعذيب والمكاره .. واذا كان عمر وعياض رضي الله عنهما وجدا تعذيب الذمي الذي تأخر عن دفع الجزية متطبفا على نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الناس وانكراه، واذا كان الإمام أبو يوسف يقول إنه لا يجوز ضرب الذمي و احداث أي مكروه في بدنه في استيد. انه الجزية فمن باب أولى أن يكون ضربه وتعذيبه وأهانته وتلبيبه وهو مقبل على دفعها منكرا غير جائز بل موضعا لإنكار أشده
ولقد روى أبو يوسف حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فانا حجيجه وعن عمرم حضرته الوفاة أنه قال: (أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهودهم، وأن يقاتل من وراءهم، وألا