على النفوس، وتحكم فيها، فإن الاستعمار لن يبلغ الغاية التي يريدها من استسلام الناس استسلاما مطلقا له يتمكن به من تضييع معالمهم ومسخ انسانيتهم، وتحويلهم إلى دم تتحرك حسب مشيئته تبع اشارته
ومن هنا كانت حرب الاستعمار للدين الإسلامي في نفوس أهله وفي تصويره لنا بصورة الداء الذي أصابنا في الصميم من حياتنا، فصار بنا إلى ما نحن فيه من ضعف و فقر ونخلف. وأنه لولا تمسكنا به لما كانت تلك حالنا ولما قالت علينا تلك الوصاية القاهرة الظالمة من الأمم التي استولت على مواطن الإسلام، هكذا ألقى الاستعمار إلينا بهذا الظلام المسموم فتلقاه كثير منا وكأنه نصيحة ناصح أمين، وتذكرة طبيب حاذق لمريض يشفق عليه، ويلتمس الدواء لعنته القاتلة >
ولقد عمل الاستعمار جاهدا على أن يمكن لهذا الضلال من نفوسنا وأن يغرى به الشباب خاصة بما أذاع بأساليبه وصنائعه من مفتريات على الإسلام وتهجم عليه وازدراء لأهله واستخفاف بمكانهم في الحياة، وحرمانهم من كل مكان كريم فيها .. بل وأكثر من هذا .. فلقدم أرانا الاستعمار صورة عملية تعيش بيننا وتشهد لما بحدثنا به عن الإسلام وعن جناينه على المسلمين
فالإستعمار إذا وضع يده على أوطان الإسلام كلها ترك في وسط العالم الإسلامي بلادا غير مسلمة. كالحبشة مثلا. دون أن يمد إليها بدا، ليرى المسلمين من ذلك أن دينهم هو الذي جهل أوطانهم. دون سائر الأوطان. على هذه الحالة من الضعف الذي أغرى المستعمرين بهم ومكن منهم واقامة قيما عليهم حتى يرشدوا ويبلغوا مبلغ الرجال .. ولن يكون لهم ذلك إلا إذا تحللوا من هذا الدين وتركوه ورائهم ظهريا.
نشدان الحق للحق
إن الإسلام شيء وأهله شيء آخر.، وانه إذا كانت قد عرضت للمسلمين عوارض الضيف والوهن في فترة من فترات تاريخهم الطويل فليس من الإنصاف للإسلام أن يقام ميزانه على حساب تلك الفترة العارضة .. وان على الذي ينشد الحق للحق أن ينظر إلى الإسلام أولا وقبل كل شي، في مبادئه وأحكامه، وفي تصوره للألوهية والحياة الآخرة وفي دعوته الأخلاقية لبناء الكيان الإنساني وصلته بالمجتمع الإنساني والحياة .. فإن وجد نظاما وضعيا أو دينيا عرفته الحياة قديما أو حديثا في سياسة الأمم والشعوب، وفي إقامة موازين العدل بين الناس، وفي تنظيم العلاقات بينهم في الحرب والسلم،، إن وجد نظاما وضعيا أو دينيا يقارب نظام الإسلام في اعتداله وتواؤمه وتوافقه مع متطلبات الناس وواقع الحياة، فليقل في الإسلام ما يقول، وليرمه بالسهم القائل، وهو أنه ليس من عند الله، إذ لا يكون من عند الله شيء يكون فيه خلل أو اضطراب
ثم أن من ينشد الحق للحق وينظر إلى الإسلام نظرا مباشرا ينبغي ألا يغفل عن تلك الفترة من تاريخ المسلمين يوم كان الإسلام قائد حياتهم ورابة دولتهم ودستورهم العامل في حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فذلك من شأنه أن يعطى الإسلام فرصته ليقيم بين ديني