فالنصر المتقين الذين يتقون أن ينتهكوا حرمات الله وأن يحلو ماحرم الله وأن يحرفوا نواميس الله،، فلا بقعد المسلمون عن جهاد المشركين كافة ولا يتخوفوا من أثارة الحرب فهي حرب في سبيل الله يقفون فيها عند حدوده وآدابه ويتوجهون به إلى الله يراقبون في السر والعلن .. فلهم النصر، لأن الله معهم، ومن كان الله معه فهو المنصور بلا جدال.
وما تأخير حرمة هذه الأشهر الحرم أو بعضها عما رتبها الله عليه. كما كان يفعله أهل الجاهلية، الا امعان في الكفر يزداد به الذين كفروا ضلال فوق ضلالهم .. فالمخالفة عن شرع الله زيادة في الكفر ولجاج فيه وضراوة عليه، يضل بسببه الذين كفروا ويخدعون بما فيه من تلاعب وتحريف وتأويل .. وكان العرب في الجاهلية بجعلون الشهر الحرام حلالا اذا احتاجوا إلى القتال فيه، ويجعلون الشهر الحلال حراما، ويقولون: شهر بشهر، ليوافقوا عدد الأشهر التي حرمها الله وقد حسنت لهم أهواؤهم أعمالهم السيئة فاذاهم پرون السوء حسنا، وبرون قبح الانحراف جمالا، ولا يدركون ما هم فيه من ضلال ولجاج في الكفر بهذه الأعمال والله لا يهدي القوم المصرين على كفرهم إلى طريق الخير .. الذين ستروا قلوبهم عن الهدى، وستروا دلائل الهدى عن قلوبهم، فاستحقوا بذلك أن يتركهم الله لما هم فيه من ظلام وضلال.
فقه الموضوع نبين الآن أن مبلغ عدد شهور السنة في حكم الله اثنا عشر، وأن هذا الأمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله تعالى الأجرام والحركات والأزمنة وهي الآن على ما كانت عليه، وانما قال هذا ليبين أن قضاءه وقدره كان قبل ذلك، وأنه تعالى وضع هذه الشهور وسماها باسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل ذلك على انبيائه في كتبه المنزلة .. والمقصود من ذلك اتباع امر الله فيها، ورفض ماكان عليه أهل الجاهلية من تأخير اسماء الشهور وتقديمها، وفيها الرد عليهم، لأنهم ربما جعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت
والمراد بهذه الأشهر شهور السنة القمرية التي هي مبنية على سير القمر في المنازل وهي الشهور المعروفة عند العرب، والتي يعتد بها المسلمون في حياتهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم الدينية واحكامهم العبادية .. وأيام هذه الشهور ثلاثمائة وخمسة وخمسون بوما .. والسنة الشمسية عبارة عن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، قال الجمل: هي عبارة عن دورة الشمس في الفلك دورة تامة، وهي ثلاثمائة وخمسة وستون پوما وربع بوم، فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام وبعض پوم .. فيسبب هذا النقصات تدور السنة الهلالية فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف (1) لأن السنة الشمسية هي التي ينتج منه الفصول الأربعة.
وهذه اللفتة إلى ثبات الكون يقدم بها السياق التحريم الأشهر الحرم وتحديها ليقول إن هذا التحديد والتحريم جزء من نواميس الله ثابت بثباتها، لا يجوز تحريفه بالهوى ولا يجوز تحريکه تقديما وتأخيرا، لأنه يشبه دورة الزمن التي تتم بتقدير ثابت وفق ناموس لا يتخلف .. وهكذا يتضمن ذلك النص القصير سلسلة طويلة من المدلولات المعيبة يتبع بعضها البعض