ولولا اختصاصه تعالى لما شاء من زمان ومكان لما كان للأزمنة والأمكنة في نفسها مزية .. واهواء الناس لا تتفق على زمان ولا مكان فيوكل ذلك إليهم، فلم يبق الا أن يجعل الله الاختصاص أمرا تعبديا خالصا، يقول لمجرد الامتثال والقربة كما ورد في تقبيل الحجر الأسود من قول عمر رضي الله عنه: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
ولنا أن نقول: لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفس، ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس .. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: (الصلة في جوف الليل) قيل: ثم أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ فال (شهر الله الذي تدعونه المحرم") وقال صلى الله عليه وسلم الطالب الاستزادة من الصوم: (صم من الحرم واترك) ثلاثا (4) وقال: (من صام يوما من أشهر الله الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوما) "
وفيه فائدة أخرى، وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على الاطلاق شافي علبهم، فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمؤيد التعظيم والاحترام وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام، حتى أن الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات وذلك يقلل القبائح، وأنه ربما صار تركه لها في تلك الأوقات سببا لميل طبيه إلى الأعراض عنها مطلقا، فيصير ترك المعاصي في هذه الأوقات الشريفة والأشهر المحرمة المنظمة سببا لترك الظلم والمعاصي في غيرها من الأشهر .. واذا أتي الإنسان بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض عن المعاصي فيها، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها سببا لبطلان ماتحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات، والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك، فيصير ذلك سببا لإجتنابه المعاصي بالكلية، فهذا وجه الحكمة في تخصيص بعض الأشهر دون بعض بمزيد التشريف والتعظيم
ولما كان الظلم منهيا عنه في الأشهر الحرم أكثر من غيرها فقد حرص الشافعي رحمه الله على ابراز ذلك في ميدان العقوبات، حيث غلط الدية في النفس وفي الجراح بزيادة ثلثها في ثلاث حالات: اذا قتل في الشهر الحرام، أو قتل في البلد الحرام، أو قتل ذا رحم محرم. أما أبوحنيفة ومالك، رحمهما الله. وأصحابهما فقد أبو التفرقة في الأزمنة والأمكنة في هذا الشأن، اذ قالوا: القتل في الحل والحرم سواء، وفي الشهر الحرام وغيره سواء، قال القرطبي: وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الديات ولم يفرق في ذلك بين الحل والحرم ولا بين الشهر الحرام وغيره، وأيضا فقد أجمعوا على أن الكفارة على من قتل خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء، فالقياس أن تكون الدية كذلك) ..
وقد وهم بعض المفسرين اذ ادعوا أن الظلم في الآية معناه القنال أي لا تظلموا أنفسكم بالقتال في الأشهر الحرم، وهذا حق، الا أنهم اضافو .. وأن ذلك قد نسخ بالباحة القتال في جميع الشهور بقوله تعالى (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) وهؤلاء القانون بذلك