فهرس الكتاب

الصفحة 678 من 778

لم يعرفو عن النسخ الا صورة مشوهة ولم يقفوا على شيء منه إلا على اسمه والا فأين التعارض بين النهي عن ظلم النفس في الشهر الحرام وبين قنال المشركين فيه، وإذا كان ثمة تعارض فهل تعذر معه الجمع؟ ثم هل ثبت في تاريخ التشريع أن الجزء الأول من الآية نزلا أولا وعمل به ثم نزل الجزء الثاني منها بعد ذلك حتى يتحقق ماهو معروف من تقدم المنسوخ وتأخر الناسخ. كما يقول أصحاب النسخ. ثم كيف يعقل أن يكون المنسوخ والقاسخ في أية واحدة والخلاصة: أن شروط النسخ الثلاثة التي في وجود التعارض بين النصين، ونذر الجمع بينهما، وكون المنسوخ متقدما والناسخ متأخرا، لم تتحقق أذن فلا نسخ، وانما هي أوهام قد ادخلوها في النسخ وعدوها منه، بل إن الكثير قد توسع في هذا الباب فأطلق على كل شبه تعارض أو على مالا يقف على سر أو تاريخ تشريعه أو حقيقة أمره أنه نسخ، حتى قال الزركشي في البرهان: وأما بالقرآن على ماظنه كثير من المفسرين فليس ينسخ وانما هو نساء وتأخير، أو مجمل آخر بيانه لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو مخصوص من عموم، أو حكم الخاص أو المداخلة معنى في معنى وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به أ. ها (3)

وانما النسخ الحقيقي كما ذهب اليه جمهور المفسرين. واقع بين قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) وقوله: (وقاتلوا المشركين كافة) وسأرجئه إلى نهاية النصل لطول

الكلام عليها

سر عطف (وقاتلوا المشركين على ماقيله

إن الأشهر الحرم دعوة إلى السلام الذي ينبغي أن يقوم بين الناس حتى تطيب لهم الحياة وحتى يكون سعيهم كله متجها إلى العمل المثمر الذي يعود عليهم جميعا بالخير والبركة والنماء لما في أيديهم من عمل في غير مجال الحرب والقتال ..

كذلك فإن الأشهر الحرم هدنة تقطع حبل القتال اذاكان واقعا بين جماعة وجماعة، وهذه الهدنة من شأنها أن تدعو المتفائلين إلى مراجعة انفسهم، وإلى العمل على الخلاص من هذا البلاء الذي حل بهم، فيطرقون باب السلم، أو يفتحونه لمن يدعوهم إليه ..

إن هذه الدعوة التي تدعو إلى السلام، وتجنب القتال في الأشهر الحرم وأن كان حتما على المسلمين أن يمتثلوها، ويحففوها من جانبهم، الا أنها لا تحمل المسلمين على التهاون في قتال المشركين، وترك الإعداد لحربهم، لأن المشركين لا يحترمون هذه الدعوة، ولا يستقيمون عليها، ولا بدعون المسلمين في أمن وسلام اذا هم قدروا على قتالهم، ووجدوا الفرصة السانحة لهم فيه .. وهذا هو السر في عطف هذا الأمر (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) على النهي السابق في قوله (فلا تظلموا فيهن أنفسكم اذ أن هذا النهي يقتضي الكف عن القتال في هذه الأشهر الحرم خاصة وفي غيرها عامة، اذا لم يكن من المشركين عدوان على المؤمنين، وهذا من شأنه. لو أطلق. أن يحمل المسلمين على طلب المسالمة والموادعة وترك الاستعداد الحرب والانخلاع من مشاعر القتال في حين أن المشركين على غير هذا الموقف، لأنهم أبدا على عداوة مضمرة أو ظاهرة للمؤمنين، وأنهم اذا وجدوا فرصة للنيل منهم فلم يمسكهم عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت