ذلك عهد أو قرابة (لا يرقبون في مؤمن الا ولا ذمة فكان اتباع هذا النهي بذلك الأمر وقاتلوا المشركين كافة) كان وضعا للنهي في موضعه الصحيح، فهذه دعوة السلم مع الحذر من خطر الحرب ومع مراقبة العدو والإعداد لدفع عدوانه أن حدثته نفسه بعدوان ...
وفي الآية دعوة إلى الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة ضدهم فحسب قتالهم، واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا وقتالنا لهم، أي قاتلوهم كافة لا يتخلف أحد منكم عن قتالهم، أو لا تتركوا قتال واحد منهم، واستدل بالإحتمال الأول على أن الجهاد فرض عين.
وفي الأية أيضا في ختامها دعوة إلى التقوى وجعلها الميزان الذي يضبط عليه المسلمون موقفهم من المشركين فلا بفي ولا عدوان ولا ظلم لأن ذلك يخرج المسلمين عن صفة التقوى ويقيمهم هم والمشركون على مقام واحد، الأمر الذي من شأنه أن يفوت عليهم أن يكون الله سبحانه معهم يؤيدهم، وبنصرهم على عدوهم لأنه سبحانه لا يكون إلا مع المتقين (واعلموا أن الله مع المتقين) .
وعن هذا الفهم لخاتمة هذه الآيات كانت وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كتب إلى قائد الجبهة الشرقية سعد بن أبي وقاص يقول في رسالته:>
(أني أمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العود واقوى المكيدة في الحرب، وأمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وانما بنصر المسلمون بطاعتهم لله ولمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم وعدتنا ليست كعدنهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا بالقوة والا تنصر عليهم يفضلنا لن نغلبهم بقوتا) (22)
ملخص تاريخ النسيء وفكرته إن العرب في الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر الحرم ونظمها، حيث كان ذلك مما تمسكوا به من ملة إبراهيم عليه السلام، وكانت عامة معايش العرب من الصيد والغارات وكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية، وربما وقعت حروب في بعض الأشهر الحرم فكانوا يكرهون تأخير حروبهم إلى الأشهر الحلال، فنسأوا. أي أخروا. تحريم شهر إلى شهر آخر، حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيستحلون المحرم ويعرمون صفر، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر اخروه إلى ربيع الأول، وكانوا يصنعون هكذا، يؤخرون شهرا بعد شهر حتي استدار التحريم على السنة كلها، وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت، وكانوا في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجو في صفر عامين، وكذلك بافي شهورة لسنة، فوافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة فبل حجة الوداع المرة الثانية من ذي القعدة، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم