أن الإسلام منهج واقعي للحياة، لا يقوم على مثاليات خيالية جامدة في قوالب نظرية .. انه يواجه الحياة البشرية، كما هي، بعوائقها وجوانبها وملابساتها الواقعية، يواجهها ليقودها قيادة واقعية إلى السير وإلى الإرتقاء في آن واحد: نواجهها بحلول عملية تكافيء واقعياتها. ولا ترفرف في خيال حالم ورؤى مجنحة لا تجدى على واقع الحياة شيئا؟
هؤلاء قوم طغاة بغاه معتدون، ما يقيمون للمقدسات وزنا ولا يتحرجون أمام الحرمات ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة، بقدون دون الحق فيمدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء وبخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهواما
ثم بعد ذلك ينسترون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحرمات والمقدسات، وبرفعون أصواتهم، انظروا ها هو ذا محمد ومن معه بنتهون حرمة الشهر الحرام فكيف يواجههم الإسلام؟ أيواجههم بحلول مثالية نظرية طائرة؟ انه لن يفعل بجرد المسلمين الأخبار من السلاح، بينما خصومهم البغاة الأشرار يستخدمون كل سلاح، ولا يتورعون عن سلاح
کلا، إن الإسلام لا بصنع هذا، لأنه يريد مواجهة الوافع لدفعه ورفعه، يريد أن يزيل البغي والشر، وأن بقلم أظافر الباطل والضلال، ويريد أن يسلم الأرض للقوة الخيرة، وبسلم القيادة للجماعة الطيبة،، ومن ثم لا يجعل الحرمات متاريس بقف خلفها المفسدون البغاة الظفاة اليرموا الطيبين الصالحين البناة، وهم في مأمن من رد الهجمات ومن نبل الرماة.
أية ثانية، ومن أجل هذا تأتي أية أخرى توضح هذا الموقف وتقرر تلك القاعدة بما لا يدع مجالا للبس ولا فرصة لمحتال فتقول: (الشهر الحرام بالشهر الحرام، والحرمات قصاس) 11 فالذي ينتهك حرمة الشهر الحرام جزاؤه أن يحرم الضمانات التي يكفلها له الشهر الحرام
وقد جعل الله البيت الحرام واحة الأمن والسلام في المكان، كما جعل الأشهر الحرم واحة للأمن والسلام في الزمان، تصان فيها الدماء والحرمات والأموال، ولا يمس فيها حي بسوء وهو سبق لتقرير نظام الحياد في الزمان والمكان، وضعه الإسلام قبل أن توجد الأمم المتحدة وتوجد سويسرا وغيرها من البلاد الحيادية يقرون طويلة
فمن أبى أن يستظل بهذه الواحة وأراد أن يحرم المسلمين منها فجزاؤه أن يحرم هر منها والذي ينتهك الحرمات لا تصان حرماته، فالحرمات قصاص، ومع هذا فإن أباحة الرد والقصاص للمسلمين توضع في حدود لا يعتدونها، فما تباح هذه المقدسات إلا بالضرورة ويقدرها
(فمن أعدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم بلا تجاوز ولا مغالاة، والمسلمون موکولون في هذا إلى تقواهم، وقد كانوا يعلمون أنهم انما ينصرون بعون الله، فيذكرهم هنا بأن الله مع المتقين، بعد أمرهم بالتقوى .. وفي هذا الضمان كل الضمان ..(واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) .