وذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم، وبغيهم، وفسادهم، وفي الأرض جماعة مسلمة، تؤمن بهذا الدين، وتتبع هذا المنهج، وتعيش بهذا النظام.
وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء المسلمين وأدواته، ولكن الهدف يظل ثابتا .. آن بردوا المسلمين الصادقين عن دينهم أن استطاعوا، وكلما انكسر في بدهم سلاح انقضوا سلاحا غيره، وكلما كلت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها .. والخبر الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الإستسلام وينبهها إلى الخطر، ويدعوها إلى الصهر على الكيد والصبر على الحرب، وإلا فهى خسارة الدنيا والآخرة، والعذاب الذي لا بدفعه عذر ولا مبرر .. (ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) .
والحبوط مأخوذ من حبطت الناقة إذا رعت مرعي خبيثا فانتفخت ثم نفقت .. والقرآن يعبر بهذا عن حبوط العمل، فيتطابق المدلول الحسي و المدلول المعنوي.
يتطابق تضخم العمل الباطل وانتفاخ مظهره، وهلاكه في النهاية وبواره. مع تضخم حجم الناقة وانتفاخها ثم هلاكها في النهاية بهذا الانتفاخ .. ومن يرتد عن الإسلام وقد ذاقه وعرفه. تحت مطارق الأذى والفتنة، مهما بلغت. فهذا مصيره الذي قرره الله له ,, حبوط العمل في الدنيا والآخرة ثم ملازمة العذاب في النار والخلود فيها.
إن القلب الذي بذوق الإسلام ويعرفه، لا يمكن أن يرتد عنه ارتدادا حقيقيا أبدا، إلا إذا فسد فساد الإصلاح له .. وهذا أمر غير التفية من الأذى البالغ الذي يتجاوز الطاقة .. فالله رحيم، رخص للمسلم. حين يتجاوز العذاب طاقته. أن يقي نفسه بالتظاهر، مع بقاء قلبه ثابتا على الإسلام مطمئنا بالإيمان .. ولكنه لم يرخص له في الكفر الحقيقي، وفي الإرتداد الحقيقي بحيث يموت وهو كافر والعياذ بالله ..
وهذا التحذير من الله قائم إلى آخر الزمان، ليس لمسلم عذر في أن يخضع للعذاب والفتنة فيثرك دينه ويقينه، ويرتد عن إيمانه وإسلامه، ويرجع عن الحق الذي ذاقه وعرفه.>
وهناك المجاهدة، والمجالدة والصبر والثبات حنى بأذن الله، والله لا يترك عباده الذين يؤمنون به ويصبرون على الأذى في سبيله، فهو يعوضهم إحدى الحسنيين .. وهذا ما تطلع إليه السحابة من أهل السرية، فإنه لما نزلت آية (يسألونك عن الشهر الحرام (قالوا: إذا لم يكن علينا من وزر فهل لنا من أجر؟ فنزل(إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) .
الآية الثالثة
انها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام، كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم، و منطقة بأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى وان بروعها العدوان، أنه السلام المطلق برفرف على هذا البيت فلا يروعه خوف ولا يهيجه فزع .. وانه اسلام الضمير البشرى يستشعره فترة من الزمان، ويتذوق حلاوته ليحرص عليه وليعمل له في كل زمان وفي