اعتراضان وردهما ا. فإن قيل: إن مقتضى حرية الدين التي امتاز بها الإسلام في معاملة أهل الكتاب. إذا أقرهم على العمل بدينهم حتى فيما بين لهم إنهم خالفوا فيه ما جاء به رساهم أن يسمح للمنافقين بأن يظهروا كفرهم، فالجواب: إن الجمع بين اظهار کفرهم وحسبانهم من المسلمين لهم ما لهم من الحقوق، وعليهم ما عليهم من الواجبات، تناقض لا يقول به عاقل، ولا بحكم به عادل، ومثلهم فيه كمثل من يسمح له بحقوق الجنسية السياسية الوطنية، ولا يطالب بالخضوع القوانينها، ولا يعاقبه على انتهاكها، ومخالفة أحكامها، وإنما تكون حرية الدين المعقولة لأهله في دائرة محيطه بأن لا يحاسب أحدهم أحدا على عقيدته، ووجد أنه فيه، ولا أجتهاده في فهمه إلا من طريق البحث العلمي، وليس منها أن يخالف أصوله القطعية التي لا يكون المسلم مسلما بدونها وبعد ذلك مع ذلك مسلما، وإذن فليس لأحد أن يطالب حكومته المتدينة بالسماح له بالخروج على دينها، كما لا يصح له أن يطالبها بالسماح له بالخروج على قوانينها، فتكون حريته هنا متعارضة مع حريتها هي وحرية أمنها.
2.وان قيل: إن القرآن قد فضح بعض المنافقين في هذه السورة وحكم بكفرهم، ولم ينفذ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أحكام المرتدين عن الإسلام، بل بقي بعاملهم هو وأصحابه معاملة المسلمين، فالجواب: أن ما بينه الله تعالى من حال المنافقين إنها كان وصفا لأناس غير معينين بأشخاصهم انذارا، وزجرا لهم، ليعرفوا حقيقة حالهم ويخشوا سوء ما لهم عسى أن يتوب المستعدون للتوبة منهم، وقد تاب الكثيرون منهم بما ظهر لهم من أخبار القرآن عنهم بما لا يعلمه إلا الله تعالى من أمرهم
وكان الذين عرف النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أشخاصهم قليلين جدا كالذين هموا باغتياله صلى الله عليه وسلم بتشريد راحلته في عقبة في الطريق، منصرفة من تبوك، ليطرحوه منها، وقال بعضهم لبعض: لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير، وفيهم نزل (يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد إسلامهم، وهموا بها لم بنالوا"ولما أستأمره أصحابه بقتلهم قال: «أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمدا قد وضع يده في أصحابه» أي في رقابهم بقتلهم، وهذا أكبر منفر من الإيمان فإن كثيرا من الناس كان يستحسن هذا الدين ويفضله على ما كانوا عليه من الشرك في أحكامه، وأدابه لذاتها. قبل أن تقوم عندهم الحجة على اليقين بكونه وحيا من الله تعالى، فيدخلون فيه، ثم بعد زمن قليل أو كثير من معرفته التفصيلية تطمئن قلوبهم بالإيمان اليقيني، ومنهم من كان يدخل فيه تبعا لأكثر قومه من غير نظر إلى تفضيله على غيره لقلة علمه بدعوته، وكل هؤلاء بقبل إسلامهم ويعتد به شرعا، وفيهم نزل قوله تعالى(قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وأن تطيعوا الله ورسوله لا يتلكم من أعمالكم شيئا) ولو سمع أمثال هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل بعض من اتبعه وصحبه لظهور شيء يدل على عدم إيمانهم في الباطن، أو لأعلام الله تعالى أباه بما في قلوبهم لنفروا من الإسلام وخافوا عاقبة الدخول فيه."