عناب بحمل في أطوائه نفحات الرضا والرضوان، بحيث يبدو هذا العناب جزاء حسنا عن عمل حسن، فقد عجل له بالصفح قبل العتاب لطفا من الله ورسوله، وقدم العفو عن الأمر الذي يطلب العفو له وجاء العفو من أجله، وهذا على غير المألوف، حتى لا يقع الرسول تحت مشاعر الألم لحظة واحدة إذا هو تلقى اللوم ثم جاءه العضوء
أي عفا الله عما تعلق به اجتهادك أيها الرسول حين استأذونك وكذبوا عليك في الإعتذار لأي شيء سارعت في الأذن لهم بالقعود والتخلف عنك كما أرادوا، إذ قالوا لك: لو استطعنا تخرجنا معك؟ وهلا انتظرت حتي ينجلي الأمر، فإن هذا هو الحزم والحكمة .. هلا أسنانيت وتربيت بالإذن حتى تعرف من له عذر في تخلفه ومن لا عذر له، وتميز بين الصادقين في الإعتذار والكاذبين فيه المتخلفين نفاقا وشكا في دين الله، فتعامل كلا بما يليق به، وذلك أن الكاذبين لا يخرجون،، سواء أذنت لهم أم لم تأذن لهم، كما تشهد بذلك رواية مجاهد المسابقة فكان مقتضى الحزم أن تتريث في الأذن، أو تمسك به اختبارا لهم
ودلت هذه الآية:
ا. على وجوب الإحتراز عن العجلة، ووجوب التبت والتأني، وعدم الإغترار بظواهر الأمور والمبالغة في التفحص .. حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الابعاد.
2.وفيها اشارة إلى أن أمر الكذب مفضوح، وأن الزمان لابد أن يكشف عن وجهه يوما ماء فلو انتظر النبي بهؤلاء الذين جاءوا بأعذارهم إليه، ولم يقبل هذه الأعذار في حينها لا نكشف له أمر ذوي الأعذار الكاذبة منهم .. أما بما يظهر من حالهم، أو بما بكشف له أصحابه من أمرهم، أو بما ينزل عليه من قرآن بفضحهم
3.وفيها أن الأذن المعاتب عليه كان اجتهادا منه صلى الله عليه وسلم فيما لانص فيه من الوحي، وهو جائز، ووافع من الأنبياء، وليسوا بمعصومين من الخطأ فيه، وإنما العصمة المتفق عليه خاصة بتبليغ الوحي،، ببيانه والعمل به فيستحيل على الرسول أن بكذبه أو بخطئ فيما يبلغه عن ربه، أو بخالقه بالعمل، ويؤيده حديث طلحه في تأيير النخل، إذ رأهم صلى الله عليه وسلم يلقعونها فقال: ما أظن يفني ذلك شيئا فأخبروا بذلك فتركوه، ظنا منهم أن قوله هذا من أمر الدين قضت النخل وسقط ثمرها، فأخبر بذلك فقال صلى الله عليه وسلم: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني أنها ظننت ظنا فلا تؤاخذني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فاني لن أكذب على الله عز وجل، وعلى هذا فيحمل قوله «لم أذنت لهم على ترك الأولى، والأكمل، لاسيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب، ومصالح الدنياء
وقد صرح علماء الأصول بجواز الخطأ في الإجتهاد على الأنبياء، قالوا: ولكن لا يقرهم الله على ذلك، بل يبين لهم الصواب فيه. ومنه ما تحدثت عنه سورة الأنفال من عتاب الله تعالي لرسوله صلى الله عليه وسلم في أخذ الفدية من أساري بدر، والخطأ هناك أعظم ما هنا، فغاية ما فيه هنا أنه مخالف لما يقتضيه الحزم، وكان من لطفه تعالي برسوله أن أخبره