ومعنى الأبنين: ليس من شأن المؤمنين بالله الذي كتب عليهم القتال، وباليوم الآخر الذي يكون فيه الأجر الأكمل على الأعمال، ولا من عادتهم أن يستأذونك أيها الرسول في أمر الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم إذا عرض المقتضي له، لأن هذا من لوازم الإيمان التي لا تتوقف عن الإستئذان (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون؟
وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي في الجهاد فإن ربنا ندينا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك، ألا ترى أن على بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه لغزوة تبوك بأن يبقى في المدينة بخلفه في أهله شق عليه ذلك ولم يرض، إلى أن قال له الرسول أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وإذا لم يكن من شأنهم أن يستأذنوا في الجهاد، بل يقدمون عليه عند وجوبه من غير استئذان، بل هم يستعدون له في وقت السلم بإعداد القوة، ورباط الخيل من استطاع ذلك منهم، فهل يكون من شأنهم أن يسنا ونك في التخلف عنه بعد اعلان النفير العام له؟ كلا، أن أقصى ما قد يقع من بعضهم التثاؤل، والبطه في مثل هذا السفر البعيد.
ويحتمل أن يكون المعني: لا يستأذنك هؤلاء المؤمنون في القيود، والتخلف كراهة أن بجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد لا يكرهه مؤمن صادق برجو الله والدار الآخرة، ويعلم أن عاقبة الجهاد الفوز بإحدى الحسنيين .. الغنيمة، والنصر، أو الشهادة والأجر، وإنما قد يستادن صاحب العذر الصحيح منهم، وهم الذين قبل الله عذرهم وأسقط الحرج عنهم في قوله (ليس على الضعفاء ولا على المرضى، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا، ألا يجدوا ما ينفقون) .
روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هبعه، أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانة .
والله عليم بمن خافوا فأتقوم بإجتناب ما يسخطه، وفعل ما يرضيه، وأنه ليس من شأنهم أن يستأذنوه بالتخلف كراهة للقتال، وهو يجزيهم وضعهم.
وقد استيط من الآية: أنه لا يتبفي الإستئذان في أداء شيء من الواجبات، ولا في الفضائل، والفواصل من العادات، كقرى الضيوف، واغاثة الملهوف، وسائر أعمال المعروف، وهو أدب يجب أن ينقضي مطلقا، فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن بسدى إليه معروفا، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما، فإن الاستئذان في مثل هذه المواطن امارات التكلف والتكره، وكرم الخليل لضيفه ومجيؤه عجل ثمين أكبر دليل على ذلك. >
إنما يستأذنك يا رسول الله، في القعود خلافك، والتخلف عن الجهاد من غير عذر بين